عباس - دحلان: وجهان لعملة واحدة !

الأربعاء 26 أكتوبر 2016 02:33 م بتوقيت القدس المحتلة

عباس - دحلان: وجهان لعملة واحدة !

يحتدم الخلاف اليوم بين جناح الرئيس محمود عباس وجناح رئيس جهاز الأمن الوقائي الأسبق النائب محمد دحلان وذلك على أعتاب انعقاد المؤتمر السابع لحركة "فتح " وهو استحقاق تنظيمي دستوري منذ عامين.

هذا الصراع المتعاظم، ليس وليد اللحظة، وإنما يمتد منذ أكثر من عقد ونصف حين اتفق الخَصمان على التخلص من الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات بمساعدة ثُلَّة من قيادات "فتح"، وذلك بتنْحِيته من منصبه، وكانوا يرفعون شعارًا ظاهِرهُ حَق وباطنه باطل وهو فَرديّة وديكتاتورية قائد "فتح" الشهيد أبو عمار، وكان ذلك بتنسيق مُعلن مع الولايات المتحدة, وقد زار وزير خارجيتها الأسبق كولن بأول المقاطعة لإملاء هذا التوجه، كما أعلن أرييل شارون ورئيس وزراء دولة العدو في حينه وقد قال: "سَنُساعد عزرائيل للخلاص من عرفات".

قائدا الجناحين في "الحركة" كانا يخفيان طموحًا دفينًا لكل منهما بوراثة الرئيس الشهيد الذي استطالت به القيادة والعُمر خاصة وأنه اكتشف متأخِرًا وأَدرك كارثية ما هَندسَهُ الرئيس محمود عباس في اتفاق أوسلو وقد حَوّل القضية الوطنية من شَعبٍ يُناضِلُ من أجل التحرر والاستقلال على تراب وطنه المُحتل فلسطين إلى مشكلة سكان تحت سيادة دولة المستوطنين.

وَيَبْرزُ اليوم طَموحون كُثُرْ لتَوَلِّي قيادة "الحركة العجوز" ورئاسة السلطة في سياق حالة التشرذم والتجنّح التي تعيشها فتح منذ أكثر من عَقْدين وبعد أن اختطف قادة الأجنحة هؤلاء الحركة من تاريخها الوطني الكفاحي فتماهَت عام 1994 مع سلطة آسنةٍ تَسْتمرئُ وتُقَدَّسُ التعاون الأمني مع الاحتلال وتشكل ظهيرًا وطابورًا خامسًا يَتَغَذَّى على فتات ما تُقدمه تل أبيب، وتُمْسِكُ بمقاليد الأمور بما لديها من وحدات مُدرَّبة ومسلحة من "الفلسطينيين الجُدُد" بدعم كامل من قواتها وأجهزتها الأمنية الصهيونية.

ويُشارك في حَلَبَةِ "الدّيَكةَ" هذه ويتنافس عليها كل من عباس وأبنائه ياسر وطارق، ومحمد دحلان، وناصر القدوة، وماجد فَرَج، ومروان البرغوثي وجبريل الرجوب وآخرين ينتظرون خلف الأبواب ما سَتُسْفِرُ عنه الجولات القادمة للصراع بانعقاد المؤتمر السابع ومواقف الإقليم العربي وتعليمات سلطة الاحتلال مع اليانكي الأميركي.
حملة التصفيات ومذبحة الإقالات والفصل من عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري ومن العضوية فيما تبقى من "فتح"، والفصل من الوظائف، وبالاعتقالات لعناصر هذا التيار، وحتى بالقتل الصريح في عمليات طالت العشرات وما زال الحبل على الغارب في محاولة من عباس لضمان عضوية صافية لِأتباعِه ومحاصرة "المعارضات" كلها حيث هم خارج المؤتمر الذي سَيَتراوح عديدهُ بين 1000 – 1300 عضو وذلك لانتخابه هو ومؤيديه وحتى يضمن لنفسه ولأبنائه مُستقبلًا خاليًا من الملاحقات القضائية أمام سيل الاتهامات بالفساد وسرقة المليارات من أموال السلطة والصندوق القومي الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير، وعباس – وللأسف - غير مَعْني بتشرذم الحركة وضعفها طالما أَخْرَجَ "المتآمرين" و "المتجنّحين" والذين يعملون "بإسناد الخارج" و"أصحاب الأجندات والمآرب الشَخصية الضّالّة والخارجين عن وحدة الحركة"، في الوقت ذاته يطالب عباس العرب "برفع الغطاء التنظيمي عنهم" وأنه قادر على "لجم أصوات التآمُر مهما كانت بعيدة"، كما يُرَوِّج في بياناته!

الاختلافات بين أجنحة "فتح" دخلت مُنعطفات غير مسبوقة، رغم معرفة القاصي والداني أنه لا صراع برنامجي مبدأي أو سياسي أو فكري بينها، فهي جميعًا من سَدَنَة اتفاق عار أوسلو وكلها تُقَدِّسُ وترفع رايات التعاون الأمني المُذِل مع الاحتلال وتعتقل وتحارب المناضلين وتعتبر المقاومة إرهابًا ومع بقاء المستوطنات وتبادل أراضٍ بها، وفوق هذا كله تعترف بدولة المستوطنين على 78% من وطننا جميعًا: فلسطين، ولا تملك غير التفاوض وسيلة لإدارة أمور "السكان الفلسطينيين" وتحت وطأة استيطان مُتسارع يقضم الأرض على مدار الساعة!!

كما أن الرباعية العربية التي تعمل تحت مظلة أميركية – صهيونية تضغط من أجل التوصل إلى قواسم مُشتركة بين المتنافسين.

ولكن عباس يخشى تمدد نفوذ دحلان بما في ذلك في عِقر دار سلطته في الضفة الفلسطينية خاصة وأنه يَملك مالًا وفيرًا وقد أَضْحَت شروط عضوية التجنح لهذا التجمع أو ذلك هو سِحر من يدفع أكثر!

لا شَكَّ أن حالة التخبُّط الحادة التي تضرب "فتح" تزيد من عوامل تدمير ما تَبَقّى من بُناها في الوقت الذي تُشير فيه البوصلة إلى حظوظ أوفر لجناح محمد دحلان على كهلٍ تَقادَمَ وقد قَدَّم كل ما عنده للاحتلال وللنظام العربي الحاكم خاصة وأن أتباع "دحلان" يجولون ويجتمعون في غير مدينة وقرية ومخيم، ففي نابلس جرت ولم تَزَل عمليات كَرٍّ وفَرٍّ بين الجناحين بعد مقتل أحمد حلاوة وستة آخرين من جماعة دحلان وجرح واعتقال العشرات وخروج أكثر من 70 ألف في جنازة حلاوة، وجرت نفس الأحداث في مخيم الأمعري بعد فصل النائب في المجلس التشريعي جهاد طملية الذي يلتف حوله جُلّ عناصر وكوادر "فتح" في المنطقة، وفي القدس فُصِلَ الناطق باسم الحركة رأفت عليان وتُهمته "التجنح" وكذلك النائب ديمتري دلياني وكُثر غيرهم معلومون للجميع.

أما في قطاع غزة "المتمرد" فقد تم فصل جميع "المتجنحين" ومن والاهم وعلى رأسهم دحلان ومنذ حزيران 2011 وسمير المشهراوي وعدلي صادق وتوفيق أبو خوصة والنائب نعيمة الشيخ علي ومنذ أيام تم فصل سفيان أبو زايدة ورشيد أبو شباك وماجد أبو شمالة وعبد الحميد المصري، لِتُصبح غزة الخارجة على "القيادة الرشيدة" تحت السيطرة الكاملة وبضمانة عدم وصول أو استقبال أيّ منهم في رام الله المحتلة!!

عواصف الشتائم والردح والاتهامات بالفساد المالي والأخلاقي والتآمر على وحدة الحركة والتجسس والتعاون مع الاحتلال تستمر فصولًا وَتَضجّ بها الصحف والقنوات التليفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي، يتبادلها الجناحان اللذان يتنافسان على من يقدم الخدمات الأفضل للاحتلال، حتى أن مشاركة عباس في جنازة المُجرم شيمون بيريز جاءت لإضافة سهم لحسابِهِ في رصيده الذي يَنْضَحُ بِوَصَمات عار التعاون مع الاحتلال.

كما تأتي زيارات عباس لكلٍ من تركيا وقطر في ذات الإطار وكرد على ضغوط الرباعية العربية وهو يرفع أيضًا يافطة المصالحة الكاذِب مع "حركة حماس" اعتقادًا منه باستجلاب ضغط على حماس واهمًا بأنها "متحالفة" مع جناح دحلان!

ما يجري "لحركة فتح" يَعِزُّ على كل الوطنيين، هذه الحركة الماجدة التي قَدَّمت خيرة قادتها وبنيها على الدرب المُعَمَّد بالدم من أجل فلسطين حُرَّةً ومستقلّةً وعلى كل التراب الوطني، والمطلوب اليوم وحدة كل المناضلين الشرفاء في "حركة فتح" وهم كُثُرٌ لاستعادة وجهِ الحركة الوضّاء لتحمل كتفًا إلى كتف الهم الوطني ومسؤوليات مواجهة الاحتلال الاستيطاني الغاشم مع قوى المقاومة الباسلة ورأس حربتها "حركة المقاومة الإسلامية حماس" وحركة الجهاد الإسلامي وكل قوى المقاومة التي تقف اليوم على الثغور استعدادًا لمواجهة العدوانات القادمة ومراكمة نقاط القوة نحو نصر أكيد وقريب.