قرار "اليونيسكو".. ضربة في الصميم

الإثنين 17 أكتوبر 2016 10:23 ص بتوقيت القدس المحتلة

قرار "اليونيسكو".. ضربة في الصميم

أيدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم الثقافية " اليونيسكو " عبر مجلسها التنفيذي خلال اجتماعه في دورته الـ200 في باريس والذي جاء تحت بند "فلسطين المحتلة"، مساء الخميس، قراراً تاريخياً بكل المقاييس يشير إلى عدم وجود أي علاقة للديانة اليهودية بالحرم القدسي الشريف.

هذا القرار الصادم لتل أبيب يؤكد حقيقة تاريخية مفادها أنه لا صلة البتة بين التعبير السياسي لدولة المستوطنين في فلسطين المحتلة بمدينة القدس، وأنها مدينة فلسطينية محتلة، كذلك يُثبِّتُ وضعية الحرم القدسي الشريف كموقع إسلامي مقدس، ويتضمن القرار ثلاثة أقسام: القدس، وموقعي الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم وثالثها إعمار غزة، وتُشَكِّلُ هذه الخطوة ضربة لجوهر الفكر الصهيوني الذي أَسَّسَ للاستيطان كتعبير عملي للصهيونية على الأرض الوطنية العربية للشعب الفلسطيني بمقدساتها الإسلامية والمسيحية.

إن هذا يَنْسِفُ مَرَّة وإلى الأبد كل الدعاوى للخرافة الأسطورية اليهودية " بأرض الميعاد " و " حق العودة " لليهود من أي أرض هم فيها إلى فلسطين التي تحتلها اليوم عصابات المستوطنين اليهود منذ 15/ أيار 1948 ميلادية، وهي حقيقة أزلية لا يراوغ فيها إلاّ مُكابر.

كما أن هذا القرار التاريخي " لليونيسكو " يجيء استكمالاً لقرارات أخرى اتخذتها المنظمة الأممية بمؤسساتها المختلفة كالجمعية العامة ومجلس الأمن واتفاقية جنيف الرابعة وملحقاتها والتي تنص على: أن الأراضي التي استولت عليها تل أبيب هي أراضٍ مُحتلة وأن كل التغييرات الجغرافية والديمغرافية فيها هي غير شرعية ويجب إزالتها.

لقد تم التصويت على مشروع هذا القرار الفلسطيني – الأردني في "لجنة الميراث العالمي" تأكيداً لما اتخذته " اليونيسكو " من خطوات مماثلة في تشرين أول الماضي عام 2015 مع تأكيد إعادة الحرم القدسي والمسجد الأقصى بما في ذلك حائط البراق الغربي إلى وضعه الذي ساد قبل العدوان الصهيوني في 5 حزيران عام 1967 ميلادية.

كما يعني هذا القرار اعتبار تل أبيب قوة احتلال تقوم بخرق المعاهدات الدولية، وتتسبب بتخريب المباني التاريخية في المكان، بما في ذلك الأبواب والشبابيك والكراميكا وتمنَع مشاريع الترميم والاصلاح التي تجري المحاولات الحثيثة لإجرائها، وهو إدانة لدولة الاحتلال بارتكاب الجرائم تَمْهيداً لتقديمها إلى "محكمة الجنايات الدولية " في لاهاي بسبب هذه الأعمال التي تهدد بتدمير الحرم القُدسي وذلك في الوقت المناسب وإذا أُحْسِنَ التعامل مع هذه التطورات!

ويأتي هذا المنعطف الهام ودولة العدو مُستمرة في محاولاتها الهستيرية منذ أكثر من قرن من الزمان لإيجاد صلة بين الديانة اليهودية وفلسطين وقد جاءت إليها عديد البعثات الصهيونية الاستكشافية الأثرية وذلك منذ عام 1932 تحت دعاوى أنها جمعيات علمية جاءت لإجراء دراسات وإعداد بحوث لا غير!؟ ومنذ ذاك التاريخ الذي كانت فيه فلسطين وكل بلاد الشام تحت الولاية العثمانية التي رفضت اقتراب هذه البعثات من منطقة المسجد الأقصى.

استمرت حكومة العدو ومنذ احتلال أكثر من 78.4% من فلسطين عام 1948 بما في ذلك الجزء الغربي من القدس والذي يُشكل ما مساحته 86% من مدينة القدس وكذلك احتلال كل فلسطين بعد عدوان عام 1967 وحتى اليوم دون أن تتمكن وبكل محاولات التنقيب التي أجرتها بما في ذلك الأنفاق العديدة تحت الحرم القدسي من إيجاد أي أثر يهودي في فلسطين.

وقد تَرْجَمَتْ دولة الاحتلال صَدْمَتها بتعليق تعاونها مع " اليونيسكو " وكان وزير التعليم نِفتالي بينيت ورئيس حركة " البيت اليهودي " رئيس اللجنة التي تتابع العلاقة مع اليونيسكو، قد أعلن وقف التعاون مع المنظمة الدولية، فيما اعتبر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هذا القرار بالهذيان الدولي، واصفاً " اليونيسكو" "بأنها مسرح للعبث، وأن القول إنه لا صلة لنا بجبل الهيكل وحائط المبكي، هو كالقول إنه ليس للصين صلة بالسور الصيني أو القول إنه لا صلة لمصر بالأهرامات "! ويختم نتنياهو بالقول: " لقد فقدت اليونيسكو القليل من الشرعية التي بقيت لها "!!

ولكنه ورغم ترحيب الرئاسة الفلسطينية بقرار " اليونيسكو " واعتباره رسالة واضحة لواشنطن الداعمة كلياً لدولة الاحتلال، إلاّ أن هذا لن يغير في الواقع الكثير على الأرض، خاصة وأن سلطة " حركة فتح " سادرة في لهاثُها وراء مفاوضات عبثية أثبتت عَدَمِيَّتها أمام تَسارع الاستيطان والتهويد وتدنيس المسجد الأقصى.

لقد جاءت تعزية الرئيس عباس ومشاركته في جنازة المجرم شيمون بيريز استمرارا للتهرب من استحقاق إعادة اللُّحمَةَ للبيت الفلسطيني والإيغال في التفرد والتنازل عن الثوابت الوطنية وتجاوزاً فظاً للكل الوطني الذي يُعلن رفضه لهذه السياسة اللاوطنية.

ورغم أن قرار " اليونيسكو " هو إعلان عن تشديد الخناق على دولة الاحتلال وتصاعد للسياسة الدولية الثابتة لعزل هذه الدولة نتاجاً لممارساتها الحمقاء إلاّ أن سلطة حركة فتح ستقايض على ذلك بفتات دعم مالي من تل أبيب - كما تعودت دوماً – وذلك على ارتدادات هذا القرار الأممي وكما فعلت قبلاً بفتوى محكمة العدل الدولية حول جدار العزل الاستيطاني، وبتقرير لجنة تقصي الحقائق حول العدوان الوحشي على قطاع غزة عامي 2008 – 2009 الذي قدمه القاضي د. ريتشارد غولدستون، هذان القراران اللذان يدينان خرق دولة الاحتلال لقرارات الأمم المتحدة وانتهاكِها لحقوق الإنسان والاستمرار بالاستيطان والتهويد.

ويكتسي قرار منظمة " اليونيسكو " أهمية استثنائية لأنه يأتي تعبيراً عن الضمير العالمي ومسؤولياته لوقف إجراءات دولة العدو وانتهاكاتها كقوة قائمة بالاحتلال وحماية التراث الثقافي والإنساني في فلسطين واعترافاً يقينياً ثابتاً بالوضع التاريخي والديني والثقافي الأصيل والطبيعي في مدينة القدس العربية الفلسطينية عاصمةً لدولة فلسطين، وبما يعنيه ذلك أن التدنيس اليومي للمسجد الأقصى ولحائط البراق والحرم الابراهيمي ومسجد بلال بن رباح " قبة راحيل " مُدان وغير مشروع وخرق للقانون الدولي ورسالة بوجوب إنهاء هذا الاحتلال المزمن لدولة فلسطين.

إن تطوير هذا القرار الاستثنائي وحصاد مفاعيله الايجابية يقتضي بالضرورة موقفاً واضحاً وحاسماً يُوَحِّدُ الصف لكل القوى الوطنية الحيّة والمقاومة لهذا الاحتلال الكولنيالي، والتي أثبتت أنها الأَمينة على مستقبل القضية وحمل الأمانة تتسارع على قاعدته عملية الفرز لِعَزل المتخابرين مع الاحتلال حتى تحرير الوطن وإنجاز وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة.