رسالة "زيتونة" الإنسانية

الأحد 09 أكتوبر 2016 01:38 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة "زيتونة" الإنسانية

مع خروج السفينة زيتونة وبدء رحلتها التي انطلقت من قلب أوروبا بدأ من جديد تحرك قضية الحصار المفروض على قطاع غزة، الذي كان منسيًّا ومغيبًا عن ضمير العالم المنافق الذي يرى ويسمع ولا يحرك ساكنًا.

إن لسفينة زيتونة هدفًا سياسيًّا كما كان لشريان الحياة، وأسطول الحرية وغيرهما، وهو فك الحصار عما يقارب مليوني إنسان يعيشون في قطاع غزة، لأن الحصار كان بقرار سياسي، وأية محاولة للوصول إلى غزة لا ينظر إليها إلا أنها عمل سياسي، وما دام أي عمل سياسي يسير في سياقه المشروع ووفق القانون الدولي لا يمكن لأحد أن يتهمه بغير القانوني, والأهم في هذا الجانب أن يكون العمل قانونيًّا في كل الأحوال، سواء أكان إغاثيًّا أم كان سياسيًّا، ومعاناة الشعب الفلسطيني ومأساته الإنسانية سببها القرارات والممارسات السياسية الجائرة التي تتمحور كلها حول استمرار الاحتلال، فإذا ما انتهى الاحتلال وأعيدت الحقوق لأصحابها انتهت المعاناة، وعلى الفور سينتهي معها الحصار، لذلك إن قوافل كسر الحصار هدفها هو مقارعة القرار السياسي الظالم الذي يكرس الاحتلال والحصار، وإن كانت تجلب معها مساعدات إنسانية ومواد إغاثية يحتاج لها أهالي القطاع، وهذا أيضًا قرار سياسي، خاصة أن الاحتلال يمنع وصول المواد الأساسية إلى قطاع غزة.

ولا ننكر دور القوافل الإغاثية التي تأتي قطاع غزة؛ فهي أيضًا تقارع الممارسات السياسية الإسرائيلية الجائرة، وإلا فكيف يمكن إيصال المواد الإغاثية إلى شعب محتاج ومحاصر، يُجوّع، ويموت مرضاه لعدم وجود الدواء والعلاج؟!، إذًا ترتبط أيضًا الإغاثة بالعامل السياسي الرامي إلى كسر الحصار، مع أن الاحتلال يحاول إظهاره للعالم أنه عمل سياسي مخالف لقانون الاحتلال، لكنه في حقيقة أمره عمل إنساني وقانوني مشروع حسب القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، وإنما ممارسات الاحتلال هي غير القانونية والمخالفة للقانون الدولي الذي يصنفها تحت بند "جرائم حرب."

سفينة زيتونة التي قادتها ناشطات من مختلف دول العالم حملت سلاحين: الأول سياسي والثاني عسكري، مع أنها ذات طابع سلمي متعلق بالحالة الإنسانية، لكن أهمية كليهما تكمن في تأثيرها على الاحتلال الإسرائيلي؛ فإن أعلى مستوى سياسي هو من أمر بإيقاف السفينة، ونفذ عملية الإيقاف أعلى مستوى عسكري، بدليل أن الاحتلال رافق تلك العملية بالقصف العنيف الأخير الذي نفذه على قطاع غزة لصرف الأنظار عن السفينة زيتونة.

صحيح أن زيتونة لم تصل إلى قطاع غزة بسبب قرصنتها من قبل قوات الاحتلال، لكنها نجحت في إيصال رسالتها، الرسالة الحقيقية هي كسر صمت العالم عن جريمة حصار غزة التي يعيش أهلها في سجن كبير.

أعتقد بأن استمرار تسيير القوافل لكسر الحصار عن قطاع غزة أمر مهم جدًّا، وعلى الأقل إن هذه القوافل تشعر الغزيين بأن العالم لم ينسهم ولن ينساهم، ومن ضرب هذا الحصار أراد به عزل قطاع غزة عن العالم وعزل العالم عنه، قطاع غزة المحاصر مدة عقد كامل يحتاج لكل شيء، والاحتلال يمنع تقريبًا كل شيء، وإن من يقرأ واقع قطاع غزة اليوم يرَ المنازل المهدمة، التي لم تعمر، وأهلها لا يزالون يعيشون في الخيام، والبنية التحتية المدمرة والمتهالكة، وهذا يعني أن حاجة القطاع كبيرة للغذاء والدواء والمعونات الطبية ووسائل المواصلات، ومواد البناء، والمواد الأولية التي تشغّل المصانع التي دمر الكثير منها، والمواد اللازمة لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية التي جرفت مساحات واسعة منها.