هجرةٌ إلى المجهول ..

الخميس 06 أكتوبر 2016 04:58 م بتوقيت القدس المحتلة

هجرةٌ إلى المجهول ..
يونس أبو جراد

يونس أبو جراد

كاتب فلسطيني

هجرةٌ إلى المجهول ..

على غير المتوقع، لم تخطر ببالي تفاصيل رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي السوداني الطيب صالح، حين وجدت نفسي أجلس دون تخطيط بين مجموعة من الشباب العربي في موسم الهجرة إلى أوروبا.

فالرواية التي تعالج موضوعاً مهماً لم تعد أحداثها مثار نقاش بين الشباب العربي في عصرنا البائس، بقدر ما أصبح البحث عن طريق، ووسيلة نقل -آمنة- إلى أوروبا شغلهم الشاغل.

على تلك الطاولة في أحد المقاهي الشعبية بإسطنبول مدينة السحر والجمال والخيال، وفي ليلة صيف لا تخلو من نسمات باردة تَعِد أحلامنا بمستقبل أجمل، جمعتني الأقدار بشباب يمثلون مأساة أمة تترنح على مذبح الاستعمار الحديث بكل أشكاله القبيحة.

لم تتسع الطاولة الصغيرة لعددنا المتزايد مع حضور شابين في العشرينيات من عمرهما، أحدهما جامعي يمتلك ثقافة جيدة، ووعياً سياسياً زاد من استغرابي لطبيعة عمله، والآخر تبدو عليه ملامح حرفته التي سيأتي ذكرها في السطور القادمة.

تبادل الشباب التحايا كلٌّ بطريقته ولهجته التي يحملها معه من أزقة العراق، سوريا، فلسطين ومصر، ثم تطرقوا إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد العربية، وقبل أن يستطردوا في الحديث، قاطع أحدهم المتحدثين بحسم: هل ستحلون الآن مشاكل الأمة؟ لنناقش الموضوع الذي اجتمعنا لأجله، ثم سأل بنبرة لا تخلو من غضب: ماذا لديك من طرق لإيصالنا إلى أوروبا؟ التقط أحد الشابين سؤاله باحتراف، مخفياً توتره وراء دخان سجائره المتعاقبة. أستطيع أن أوصلكم إلى حيث شئتم، إلى أين ترغبون بالهجرة؟

تنوعت الرغبات، واختلفت الإجابات على أول الأسئلة وأهمها، ولكن الطرق لم تختلف كثيرا؛ لأنَّ الراغبين بالهجرة غير الشرعية سيختارون أية دولة يرغبون بالاستقرار فيها بمجرد وصولهم إلى إحدى الدول الأوروبية التي تتيح لهم التنقل بينها بسهولة.

أحد الشباب كان يرغب بالذهاب إلى زوجته، التي تحمل جنسية بلدٍ أوروبي يضع شروطاً قاسية لدخول أراضيه، آخر يرغب في الهروب من جحيم الواقع إلى واقعٍ يبدو في ظاهره جنة النعيم! وثالث فقد موطنه، مزّق الطغيان أحلامه، فخرج حاملاً ما تبقى في حقيبة أيامه من أمل وطموح، وعقد العزم أن يذهب إلى بلادٍ لا خوف فيها، لا دماء، ولا موت.

بدأ المهرِّبان بمهارة واضحة، وثقةٍ لا يخالجها شك بسرد الطرق واحدة بعد أخرى، واستعراض إيجابيات وسلبيات كلٍّ منها، يركزون أحياناً على طريقة ما، حتى وإن كانت الأكثر خطورة؛ لأنها ربما الأكثر ربحاً بالنسبة لهم.

استعرض صاحبنا الذي يستتر خلف الدخان المتواصل المنبعث من فمه، والذي يغطي بين النَفَس والآخر آثار جرحٍ غائرٍ في جبهته البيضاء كلَّ الطرق التي يعمل من خلالها، طريقان من البحر، طريق بري، والأخير يبدو آمنا إلى حدٍ كبير، فهو سيكون عبر المطار، ولكنه الأعلى تكلفةً من بين الخيارات السابقة.

جلس الجميع يستمع باهتمام، وقد تراوحت لغة الجسد بين الانبهار، الانقباض، والدهشة مع كلِّ معلومة جديدة نستمع إليها، أو احتمالٍ يرجحه المهرّب من وراء دخانه الكثيف.

استفسر الحاضرون عن أدق التفاصيل، وألحوا في معرفة الضمانات التي يمكن أن يحصلوا عليها حتى الوصول إلى مبتغاهم، بدت بعض الأسئلة ساذجة أمام خبرة المهربين، ولا سيما الحديث عن ضمانات لرحلةٍ يكتنفها الغموض والمغامرة والحظ كما أشار بثقة المهرب الجامعي المثقف.

أما أنا فكنت أجلس بينهم تتقاذفني الأصوات يميناً وشمالاً، يتملكني شعور المهرِّب وهو يمارس دوره في إقناع الراغبين في الهجرة حتى يربح أكثر، وأشعر بانقباض شديد في قلبي حين أتخيل نفسي واحدا من مجموعة شبابٍ يواجهون المجهول في بحارٍ التهمت مئات الباحثين عن الحياة.

قفزت إلى ذهني عشرات الأسئلة الصعبة عن النظام العربي، الشعوب المقهورة، عن المستقبل الذي ينتظرنا في دوامة العنف والإرهاب والطغيان، ثم طرحت سؤال قَلِقَاً على مهربٍ يسعى للربح دون أن يعلم -أو ربما يعلم- أنه يتاجر في أرواح البشر، هل أنت واثق أنَّ الجميع سيصل بخير؟ فأجابني ظانّاً أنني أحد الراغبين بالهجرة، وهل أنت واثق أن بقاءكم دون مستقبل سيجعلكم بخير؟!

تبادل الشباب أرقام الهواتف، وغادر المهربان المكان، وتركونا نناقش ونقيِّم كمَّا كبيرا من المعلومات حتى نوازن بينها.

خيَّم الصمت على المكان والأشخاص لوقت قصير، ثم اجتاحتنا عاصفة من النقاش الساخن حتى استقرت الآراء على الطريقة الأقل تكلفة، وتحدث أحد الشباب بحماس واضح، موجهاً سؤاله إليّ، أخيراً سنحقق أحلامنا، أليس كذلك؟

أما أنا فاصطنعت عدم الانتباه واكتفيت بإثارة موضوع آخر، فالموقف لا يحتمل النقاشات الفكرية الباردة، وحماس الشباب الذي يقابله مقتهم للواقع المعاش في بلدانهم لن يجعل من الحكمة أن أخالفهم الرأي، أليس كذلك؟