نتنياهو: "أميركا أقوى وأكرم دولة!"

الأربعاء 28 سبتمبر 2016 10:08 ص بتوقيت القدس المحتلة

نتنياهو: "أميركا أقوى وأكرم دولة!"

في خطابه أمام الجمعية العامة لم يكن صُدفةً أن يَعتلي رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو المنصَّة بعد كلمتي كل من الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجلسة رقم 71 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

لقد كان نتنياهو المُتحدث الخامس عشر على قائمة قادة العالم، وكان واضحاً أنه امتلك بذلك أوراقاً للرد على كليهما كما ظهر في مفردات الخطاب!

كان نتنياهو في خطابه السياسي – وكما عُرِفَ عَنهُ دوماً – دَعيًّا، صَلفاً وهجومياً بل وعُنصرياً كذلك في نقدِهِ لمنظمة الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان وحماس والمقاومة والشعب الفلسطيني، وإيران، بل وَصَبَّ جامَّ غضبه على مُعظم دول العالم!

وكعادته، لم يكن رئيس وزراء دولة العدو صادقاً في كُلّ ما تلاه من حديث صَفيق إلاّ في مديحهِ وإطنابه في ذلك الإطراء حين أشاد بالولايات المتحدة الأمريكية ووصفها بأنها "أقوى وأكرم دولة على وجه الأرض!!" ونَوَّه بإرساء أعمق الصداقات معها، وأنه ومن بين ما يعتز به أن أول فيتو استخدمه الرئيس الأميركي باراك أوباما إبان ولايته الأولى في الأمم المتحدة كان التصويت بالفيتو ضد مشروع معادٍ لكيانه عام 2011.

لقد تحدث نتنياهو بكل ابتزاز واعترف بشكل مُنافق أن الاستيطان قضية حقيقية ويجب التفاوض عليها وَحلّها في مراحل الحل النهائي - الممتدة والمزمنة حتى استيطان كل الأرض - وهو الذي جاء إلى نيويورك وقد صادقت حكومته على أكثر من 5 آلاف وحدة سكنية جديدة؟!

كما أنه – ورغم إدانة كل العالم للاستيطان – تحدث عن أن إجلاء المستوطنين هو تطهير عِرقي وعدوان بل وخرق لحقوق الإنسان!!!؟؟

كان نتنياهو يحاول جاهداً بكل غطرسة وعنجهية القوة أن يُخفي حقيقة أن العالم بدأ يَضيقُ ذَرعاً بأفعال هذه الدولة المارقة ونحن نشهد الاعترافات الأوروبية والآسيوية والأمريكية اللاتينية بدولة فلسطين، والمقاطعات الأكاديمية المتدحرجة للعديد من الجامعات وعلى رأس ذلك في أوروبا، التي بدأت كذلك بمقاطعة منتجات المستوطنات وبالضغط الدبلوماسي البرلماني المنهجي ونقد الاحتلال والاستيطان في وسائل الإعلام، وخروج مئات الآلاف في أوروبا وأمريكا من ذوي البشرة البيضاء والعيون الزُرقاء وهم حلفاؤها التقليديون منذ تأسيسها، يضجّون عَبر مظاهراتهم الصاخبة وتعبيراً عن استنكارهم للعدوان الوحشي على قطاع غزة وعلى مدار واحد وخمسين يوماً دموية في تموز عام 2014 ميلادية.

ونتنياهو الذي قدم نفسه وكأن العالم قابعٌ في جَيْبِهِ الخَلفيّ، يَعلمُ يقيناً أن هذا العالم بدأ يعرف حقيقة أن "واحة الديمقراطية "، المُدّعاة في الشرق الأوسط ليست إلاّ كياناً لنظام قَتَلَة، وأن الضحيّة الحقيقية هي الشعب الفلسطيني.

وحين حيَّا نتنياهو الولايات المتحدة بكل السخاء اللُغويّ، كان يرى أنها قلعتهُ الأخيرة، وأن خناق العُزلة قد بدأ يضيق من حوله رغم تنافس دونالد ترامب وهيلاري كلينتون مُرشَّحي الرئاسة عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي في كيل وعود الدعم لكيانهِ النازي المتمرد، وأن ما جرى للنظام العنصري في جنوب أفريقيا في بداية التسعينيات من القرن الماضي وبدء حصارِهِ أمريكياً وأوروبياً ومن كل العالم حتى انهار عام 1994 وأن ذاك الحال بدأ يقترب!

لقد حاول رئيس وزراء تل أبيب استثمار أجواء صراع الانتخابات في أميركا فكان خطابه موجهاً ليس للمندوبين الأمميين الذين غادر الكثير منهم مقاعدهم وامتنع معظم من تبقى عن التصفيق له، وإنما للمجتمع الأميركي وتَجَمُّع المستوطنين في فلسطين المحتلة.

أما الولايات المتحدة فلم تَزَل على عَهدِها بدعم دولة الاحتلال رغم ضيق أوباما ونقده لهذا الانفلات الاستيطاني وكل التقديرات تُشير فعلاً إلى استمرار الدعم وعلى كُلّ الصَعُد رغم ما يروّجه ظهيرها العربي وسلطة عباس من آمال بأن واشنطن قد لا تستخدم حق الفيتو ضد مشروع قرار يطالب بوقف الاستيطان، فيكفي التذكير بأن أميركا استخدمت الفيتو 85 مرة منذ تأسيس المنظمة الدولية وحتى الآن، كان من بينها 45 قراراً ضد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في دَعْمٍ قل نظيره لدولة الاحتلال!؟؟

ولقد تابعنا جميعاً الصّفقَة غير المسبوقة والأكبر والأهم في تاريخ الدعم العسكري الخارجي الأمريكي لتل أبيب حين تم توقيع الاتفاقية الثنائية للتعاون الاستراتيجي ومنذ أيام فقط في 14 أيلول الجاري بقيمة 38 مليار دولار تبدأ عام 2019 ميلادية ولعشرة أعوام!

كما ازداد عدد المستوطنين بدعم الإدارات الأميركية المتعاقبة والذي كان عام 1993 ميلادية – حين وُقِّعَ اتفاق أوسلو الكارثي – لا يزيد عن 65 ألف مستوطن في الضفة والقدس وقطاع غزة ليصبح اليوم أكثر من 850 ألف مستوطن من بينهم 100 ألف خلال ولاية أوباما مع تسارع مُذهل وانتشار كالفطر للبُنى الاستيطانية السرطانية.

ونتنياهو يَعي تماماً الأسباب وراء "أن الأمم المتحدة التي بدأت كقوة أخلاقية، أصبحت اليوم مهزلة أخلاقية!" على حد زعمه!

وقد لاحظ كل المراقبين أن الذين صفقوا وبحرارة لخطاب نتنياهو الذي كان يُجافي الحقيقة، لم يكن سوى الوفدين الأميركي ووفد دولة الاحتلال مع مجموعة من عشرين مستوطناً تقريباً جلبهم على طائرته الخاصة من بينهم والدَتا جنديين أسرتهما حركة المقاومة الإسلامية حماس إبان العدوان الدموي لجيش دولة الاحتلال عام 2014 ميلادية.

وفي خطابه أمام قادة العالم، أَعادَ نتنياهو تأكيده على أن مدينة القُدس المحتلة لن تكون موضوعاً للتفاوض، مقدماً "أنموذجاً " حياً وفعلياً من التنكر للقانون الدولي لآخر احتلال في هذا الكون ولكيان يُمارِسُ جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فالاحتلال هو أعلى مراحل إرهاب الدولة المنهجي المُنظم وهي التي تقوم اليوم بتحويل ميادين وشوارع فلسطين في الضفة والقدس وقطاع غزة إلى ساحات إعدام.

ورغم قنابل الخداع والإثارة التي فجّرها كعالمٍ في4 فنون الديماغوجيا والثرثرة، فقد كان يلعب بالنار فعلاً وهو يتحدى العالم ويَسْخَرُ بالدنيا كلها في عنادِهِ الأخرق لأنه في واقع الأمر يضربُ رأسه بجدار الحقائق التاريخية التي أسقطت كل الإجحاف الاستعماري ضِد الشعوب، كما أنه لم يستخلص العبر وهو يرى أنه يسبح في بحر من الكراهية.

ألم يَقُل نتنياهو في خطابه: "إن الأمم المتحدة تعمل ضد (إسرائيل)، فخلال العام الماضي أصدرت 20 قراراً ضدنا، فيما اختصت بقية العالم بثلاثةِ قرارات فقط، كما أن "مجلس حقوق الإنسان" التابع أيضاً للأمم المتحدة يدين دولتنا كل عام!!".

وعليه فإنه قد آن الأوان كي تتوحد كل القوى الوطنية الفلسطينية الجادَّة لمواجهة استحقاقات المرحلة القادمة وقد ظهر للعيان وبجلاء انتهاء وهْمْ "التسوية السياسية" التي تأخذ في طريقها مهندسيها وأطقُمها في مقاطعة رام الله المحتلة وقد وصَلت " عملية السلام " العبثية إلى جدارها الأخير بِنهاية وهم " حل الدولتين " وسينتقلَ باراك أوباما إلى موقعه في المتحف لِينضمَّ إلى سَلفِه بِيل كلينتون حيث تقبع تماثيل شمع " هيئة الحكماء " التي يزداد عدد أعضائها بعد خُطب الوداع حين تنتهي ولايات الرؤساء الأميركيين والذين يكتشفون فيها البارود فجأة، وللمرةِ الألف!!