العقيدة العسكرية الجديدة للاحتلال

الأحد 21 أغسطس 2016 10:50 ص بتوقيت القدس المحتلة

العقيدة العسكرية الجديدة للاحتلال
هشام منور

هشام منور

كاتب وباحث فلسطيني

يستمر الجدل الإسرائيلي داخلياً حول دراسة وسبر الحروب الأخيرة التي خاضها كيان الاحتلال في كل من غزة ولبنان، لاستنباط أفضل السبل والوسائل لتجنب ما تسميه الدراسات الإسرائيلية "الخطايا" القاتلة التي أدت إلى فشل العدوان على كل من غزة ولبنان.

الجدل حول العدوان على لبنان في يوليو/ تموز 2006، كان محور دراسات وتقارير عدة ركّزت على وجوب اعتماد "عقيدة الضاحية"، بمعنى توجيه ضربات قوية للطرف المضاد، وهو ما تم أيضاً خلال العدوان الأخير على غزة.

الجنرال عاموس يادلين، وفي يوم دراسي نظمه مركز "أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي"، لمناسبة ذكرى مرور عشر سنوات على عدوان لبنان، اعتبر أن العبرة الأساسية من الحرب على لبنان تكمن في أنّ كيان الاحتلال سمح لنفسه أن "يلعب وفق قواعد حزب الله واكتفى خلال العدوان بمحاربة الحزب ومواقعه من دون أن يدرك أنّها حرب شاملة بين (إسرائيل) ولبنان ككل حكومة وشعباً"، عندها سيختلف، باعتقاد يادلين، الموقف الدولي. وبحسب يادلين، فإن الحرب، في حال نشوبها مجدداً، كمواجهة عسكرية شاملة بين كيان الاحتلال ولبنان وليس فقط مع حزب الله، ستدفع المجتمع الدولي إلى التدخل خلال ثلاثة أيام، لأن أمر لبنان ككل يختلف في حسابات المجتمع الدولي.

تغييرات أخرى جارية في سياق استعداد كيان الاحتلال للمواجهة العسكرية المقبلة، والتي يقر كثيرون في المنظومة العسكرية والسياسية بأنها ستندلع لا محالة، سواء اقتصرت على مواجهة مع حزب الله أم مواجهة عسكرية في قطاع غزة. وأهم هذه التغييرات التي نجمت عن التغيير في قيادة الجيش الإسرائيلي وتعيين الجنرال غادي أيزنكوت رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي ليأتي بخطة لتطوير وإعادة هيكلة الجيش، في كل من الصفوف والعقيدة القتالية، والتي عُرفت باسم "خطة غدعون"، وأقرها الكابينيت الإسرائيلي في 16 إبريل/ نيسان الماضي. وتقوم هذه الخطة على أساس إعادة الاعتبار في المواجهات المقبلة لسلاح البر انطلاقاً من وجوب العودة في الحرب المقبلة إلى نمط التوغل في أراضي العدو وعدم الاكتفاء بالضربات الجوية وبعمليات برية محدودة.

صحيفة "يديعوت أحرونوت" نشرت مؤخراً مقابلة خاصة مع قائد سلاح البر، الجنرال كوبي براك، يتحدث فيها عن الأهمية التي يتولاها سلاح البر في الاستعداد للحرب المقبلة ودوره فيها، مع دلالات ضم قسم التخطيط اللوجستي لسلاح البر، ووضع جنرالين اثنين تحت قيادته على الرغم من أنهم يتساوون في التراتبية العسكرية. ويقول براك إنه "من أجل تحقيق الأهداف المطلوبة، بحسب التنظيم الجديد والوثيقة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي التي وضعها أيزنكوت، يجب أن يكون القائد الميداني قادراً على إصدار الأوامر للقيادات العليا في غرفة قيادة العمليات لاعتراض صاروخ أو قذيفة، بعد أن يكونوا مجهزين بكل الوسائل التكنولوجية اللازمة لجمع المعلومات من الميدان، وتحديد مواقع الضربات التي يريدون استهدافها".

يكشف الجنرال عن أنه إلى جانب القدرات الاستخباراتية والميدانية، فإن التشكيلة الجديدة ستعني أيضاً قدرة القوات البرية على شن هجوم وهم يتمتعون بحماية كاملة وبمساعدة الروبوتات الإلكترونية ووسائل التصوير للمسافات القصيرة (الكاميرات الطائرة)، لتوفير صورة واضحة لساحة القتال البرية التي تنشط فيها. وعندما يتم إدخال هذه التغييرات على سلاح البر في الجيش لاستعادة قدرات المناورات البرية، يمكن العودة للحديث عن حسم المعركة والحرب وليس فقط السعي للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع حركة حماس في غزة، أو حزب الله في لبنان، كما تختم الصحيفة مقابلتها.

يندرج هذا الاستعداد في سياق العمل على تحقيق الهدفين اللذين حددهما أيزنكوت في ختام استخلاص العبر من المواجهات العسكرية التي خاضها جيش الاحتلال في العقد الأخير: الأول، أنّه يجب على سلاح البر أن ينتقل بسرعة وخلال وقت قصير إلى حالة الهجوم داخل أرض العدو، وذلك للقضاء على الخطر الصاروخي الذي يهدد الجبهة الداخلية. أمّا الهدف الثاني، فيكمن في التطبيق الملموس لمصطلح الردع من خلال الإبادة التامة (المقاتلون، والبنى التحتية، والأسلحة). مثل هذا الأمر يمكن تحقيقه فقط، بحسب العقيدة الجديدة، إذا كان بمقدور قوات سلاح البر المناورة والتحرك إلى قلب العدو.

الحرب المقبلة، وفق الجنرال براك، "ستبدأ وستتعرض دولة (إسرائيل) لهجوم صاروخي وإطلاق نار، وهو أمر بمقدورنا مواجهته، إلا أن المشكلة تكمن في تعامل الجمهور معها، ومعرفة كيفية مجرى سير استدعاء قوات الاحتياط وتجنيد القوات وتحريكها ونقلها من موقع إلى آخر". الحرب المقبلة، كما يصفها براك، تشبه إلى حد بعيد "الحرب العالمية الثانية، حرب شاملة تكون فيها الجبهة الداخلية والجيش والمواقع العسكرية والمدن تحت القصف، وبالتالي فإنه فقط من خلال القدرات اللوجستية سيتمكن الجيش من مواصلة القتال وإدارة العمليات الحربية".

يبدو كيان الاحتلال في طور إجراء تعديلات "جذرية" على عقيدته القتالية واختبارها لاحقاً في المستقبل المنظور في غزة او لبنان، وإن كانت جبهة لبنان مغرية أكثر في الوقت الراهن، بسبب إنهاك حزب الله في سوريا، وعدم جاهزيته العملياتية لمثل هذه الحرب "التجريبية" وقد يستغل كيان الاحتلال ما يجري في سوريا وانشغال حزب الله بالمعارك هناك لتجربة عقيدته القتالية اولاً، والقضاء على حزب الله تالياً، وبشكل نهائي، بعد أن شرع الكيان في دراسة تبعات شن عمل عسكري بري واسع، وما قد يجره عليه من صواريخ ومواجهة مفتوحة، كما يقول.