الصراع الثقافي في القدس

الأحد 14 أغسطس 2016 12:11 م بتوقيت القدس المحتلة

الصراع الثقافي في القدس

يرى (ابن خلدون) في مقدمته أن المهزوم مولع بتقليد الغالب والمنتصر. تقليد الغالب لا يحده حد، بل هو عام شامل، ولكن مقولة (ابن خلدون) على ما فيها من صدق بوجه عام لا تكاد تتحقق في القدس، حيث يرفض أبناء القدس من العرب ثقافة المستعمر المنتصر، ويرفضون مناهجه التعليمية، ويتمسكون بثقافتهم العربية الإسلامية، وعاداتهم الفلسطينية، تمسكًا يريدون من خلاله المحافظة على شخصيتهم الفلسطينية العربية، وعلى ثقافتهم العربية الإسلامية، وعلى لغتهم العربية لغة القرآن الكريم.

لقد أثارني لكتابة هذا المقال ما كشفته مصادر عبرية نقلتها بعض الوكالات عن أن بلدية القدس ووزارة المعارف اليهودية قررتا وقبل فترة قصيرة من بدء العام الدراسي الجديد تشديد الرقابة على المدارس الفلسطينية في القدس المحتلة، التي تدرّس المنهاج الفلسطيني. هذا من ناحية، وقررت من ناحية ثانية الشطب من الكتب التعليمية تفسير آياتٍ من القرآن الكريم وأبيات شعر وطنية تتعلق بالنضال من أجل فلسطين، ووزعتا كتبًا على المدارس تتضمن صفحات بيضاء فارغة، بعد أن قررتا شطب مضمونها، وسطورًا سوداء خطت فوق النصوص الأصلية في الكتب. ومن بين السطور التي "اختفت" من الكتب قصائد تتعلق بالنضال الفلسطيني وتفسيرات إسلامية للجهاد وللقتال وتحاليل مؤيدة لحق العودة، وحتى آيات من القرآن الكريم عن وحدة الأمة الإسلامية، ومكانة المسجد الأقصى، والنشيد الوطني الفلسطيني، والعلم وخريطة فلسطين؟! وشطبت من ناحية ثالثة من الكتب التعليمية المضامين المتعلقة بالقتال كافة: الشهداء والتضحية من أجل فلسطين، وكذلك التطلعات الوطنية؟!

يقول المحتل في بلدية القدس: "لن نسمح بمناهج مشجعة على العنف في الكتب التعليمية"؟

ومن بين ما شُطب تفسير مفهوم بلاد الشام بـ"فلسطين والأردن وسوريا ولبنان"، الذي ورد في تفسير سورة "قريش" في "رحلة الشتاء والصيف"، وكذلك قصيدة للشاعر علي محمد طه كتبت في سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي: "فلسطين تحميك منّا الصدور"، وقصيدة للشاعر عبد الرحيم محمود "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا؟!".

هذا الذي يجري في مدينة القدس من المستعمر بقوة الاحتلال والاستعمار، يواجه برفض قوي من سكان القدس مسلمين ومسيحيين، ويصرون على مواصلة تدريس المنهج الفلسطيني، وآيات القرآن، والقصائد الوطنية، التي أشرنا إليها آنفًا، ويرفضون الخضوع لإرادة المحتل الذي يهدد بحرمان المدارس التي لا تنصاع لطلبة من المخصصات المالية اللازمة لترميم المدارس وتطويرها.

إن التحدي الذي يقدمه سكان القدس، ومدارس القدس، وأساتذة وطلبة القدس، هو الذي جعلني أرجع لابن خلدون، وتقليد المهزوم للمنتصر؟! لأقول إن هذا القول الصواب بشكل عام، لا يصدق على سكان القدس، لأنهم في الأصل لا يعترفون بالهزيمة وبالاحتلال، ويشاركون بفاعلية في مقاومة المحتل، ومقاومة ثقافته، وفي ظني أن الروح الوطنية والإسلامية ستنتصر في القدس بقوة ذاتية، حتى لو تلكأ العربان عن مساعدة أهل القدس عمليا للمحافظة على ثقافتها العربية الإسلامية. القدس عربية، والثقافة فيها ستبقى عربية بإذن الله، وهذا أملنا في سكان القدس، وفي قادتها في مختلف المجالات. وأهل القدس ليسوا مولعين بثقافة المنتصر، مع الاعتذار لابن خلدون وعلماء الاجتماع، لأن الصراع ما زال متحركًا.