الاستثمار والوعي

الخميس 11 أغسطس 2016 11:34 ص بتوقيت القدس المحتلة

الاستثمار والوعي

أعجبني بعض ما جاء في مقال بعنوان: "نجاح الثورات العربية يبدأ في الاستثمار في وعي الإنسان العربي"، ورأيت نفسي أتفق معه في نقاط وأختلف معه في أخرى، وأحب أن أركز على صدق ما أتفق معه، والمقال منشور في جريدة رأي اليوم في 30/7/2016 حيث تقول الكاتبة: "الثورات الحقيقية هي الثورات التي تواكبها ثورات في وعي الشعوب، وعي في الأفكار والمفاهيم، وأهمها فهم المجتمع للقيم الإنسانية"، ثم تقول: "إذا أردنا فعلا ثورات حقيقية تنهض بشعوبنا ومجتمعاتنا، يجب أولا وأخيرا، أن ننهض بالإنسان، أن نستثمر بالإنسان العادي، بالتعليم الذي هو المفتاح الوحيد والحقيقي للوعي، وبناء قاعدة اجتماعية قادرة على استيعاب مفهوم الحرية والديمقراطية التي لا تعرفها شعوبنا على أرض الواقع، إنما عبارة عن مفاهيم، وشعارات مستوردة من مجتمعات عانت وناضلت من أجل امتلاكها وممارستها على أرض الواقع.

إن الاستثمار في الإنسان العربي ووعيه هو الثورة الحقيقية لمجتمعات المنطقة العربية وما غير هذا سوى العيش في دوامة الفراغ، والقتل والتدمير لشعوب المنطقة واستنزافها سياسيا، واجتماعيا واقتصاديا. التغيير يبدأ أولا وأخيرا في تغيير النفس، والقيم الإنسانية. التغيير في المفاهيم والاعتقادات السائدة التي تعزز السلبية والخضوع لما هو سائد ومتوارث على جميع الأصعدة التي تخدم كما قالت النخبة الحاكمة، التي تُجيش الإعلام، والاقتصاد والدين من أجل تعزيز الواقع الذي يضمن لها بقاءها على حساب المجتمع بأكمله.

والأهم من ذلك يجب أن يكون هناك وعي بحقوق المواطن الاقتصادية والسياسية والمواطنة، لأن الحقوق لا تتجزأ وتكمل بعضها بعضًا".

إن حديثها عن الوعي، وعن الحقوق والواجبات، وعن التعليم أداة لبث الوعي، لا يختلف عن ركن (الفهم) الذي جعله حسن البنا الركن الأول في البيعة التنظيمية، وقدمه على ركن الإخلاص، لأنه لا إخلاص مفيد قبل الفهم الجيد، والتعليم عند الكاتبة كأداة لنشر الوعي في المجتمع قبل الثورة، هو عينه الدعوة التي مارسها البنا وأتباعه منذ عام ١٩٢٨م، وما زالوا يمارسونها، قبل أن يمارسوا الثورة، لأنه لا يحمي الثورة بحق شيء مثل الوعي، أو قل الفهم بالمعنى الذي شرحه شراح رسائل البنا رحمه الله. وفي الزمن الأخير قدم لنا الوعي التركي بالحقوق والواجبات الدرس العملي في مواجهة انقلاب الجيش على الديمقراطية وإرادة الشعب.

أما قول الكاتبة عن الاستثمار في الإنسان، فهو قول صواب يستحق التقدير، فالاستثمار في الإنسان يسبق الاستثمار في المادة، وبناء الجيش الوطني، والاقتصاد الوطني، والاجتماع الوطني، وكل الدول العربية القطرية بعد الحرب العالمية الثانية استثمرت (والكلام من باب الجدل والمجاز) في المادة، وبناء الأمن، وأهملت الإنسان، وجعلته في ذيل القائمة، فوقعت فريسة التخلف والهزائم والتبعية للدول الأقوى التي استثمرت في الإنسان، ولو عدنا جيدًا لقراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سيرة من تبعه، ومنهم الإمام المجتهد حسن البنا، لوجدنا هم جميعًا ركزوا استثمارهم في بناء الإنسان، لذا كانت القوة، وكانت الفتوحات، وكانت النهضة، وكان الإنسان المسلم سيد الكون، وكانت الحضارة الإسلامية مهيمنة على الحضارات.

لا حلّ للفشل العربي والإسلامي، ولا حلّ لقضايا العرب والمسلمين، ومعالجة التمزق والتخلف، والاستبداد، وخلاف ذلك من سلبيات الأمم غير العودة إلى النظرية الحقيقية في الاستثمار بركنيها الأساسيين: الأول الاستثمار في الإنسان وتبجيله وإعلاء منزلته، فهو الأغلى قيمة في الحضارة الإنسانية. والثاني بث الوعي، أو قل الفهم كما شرحه شراح رسائل البنا، والفهم هنا قبل العمل وقبل الإخلاص، لأنه لا قيمة لعمل بلا فهم. وحال العرب يصدّق ما نقوله هنا.