الانتخابات البلدية.. كلنا رابحون!

الأربعاء 10 أغسطس 2016 12:55 م بتوقيت القدس المحتلة

الانتخابات البلدية.. كلنا رابحون!

إعلان واحد كان كفيلًا إذًا، بتغيير الصورة وخلط الأوراق لدى الاحتلال. وكان كافيًا أيضًا لإحباط مسبق للخطط التي كان يضعها وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، عبر جلسات مكثفة مع كل من رئيس أركان الجيش، ونائبه، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وقائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، المسؤول عن ضبط إيقاع أوضاع الضفة الغربية، وبطبيعة الحال جهاز الاستخبارات العامة، الشاباك، بشأن ملامح ومضمون السياسة الجديدة للجيش في الضفة الغربية المحتلة.

لقد شكل قرار حركة حماس المشاركة في الانتخابات البلدية الفلسطينية المقررة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، بعدما كانت أعلنت عدم نيّتها خوضها، مفاجأة كبيرة للسلطة الفلسطينية، ومفاجأة أكبر لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي وجدت نفسها مضطرة لإعادة قراءة أوراقها مجددًا.

هذه هي عمليًا الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من تقرير خاص أعدّه المحلل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان، في رصده لعملية خلط أوراق الاحتلال بفعل قرار حماس. بحسب توصيف فيشمان، فإن هذه الحركة أدخلت الجميع "في حالة غيبوبة" اطمأنوا خلالها إلى أن السلطة الفلسطينية وحركة فتح ستعيد وتكرر انتصارها في الانتخابات البلدية، كما حدث في عام 2012، عندما "انتصرت فتح على نفسها" لعدم وجود منافسين لها في الانتخابات. لكن هذا كله تبدّل، مع إعلان "حماس" عزمها خوض الانتخابات البلدية.

ليبرمان وجد نفسه مضطرًا لإعادة النظر بحساباته مجددًا، وتغيير وجهته حول تعزيز قوة الطبقة الوسطى في الضفة الغربية، عبر إقامة مدينة إضافية للفلسطينيين على غرار مدينة روابي، ومنح تسهيلات في مسألة البناء، من خلال نقل صلاحيات التنظيم والبناء في المناطق المسماة "أ و ب"، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وكان يطرح أيضًا إمكانية نقل صلاحيات ترخيص البيوت في هذه المناطق للسلطة الفلسطينية لحل مشكلة عشرات آلاف البيوت التي يقطنها نحو 200 ألف فلسطيني، وبالتالي شرعنة هذه البيوت، ودعم الاقتصاد الفلسطيني في هذه المناطق. هذا إلى جانب خطوات وعقوبات جماعية في "المناطق الإشكالية"، وفق التعبير الإسرائيلي. وكل ذلك في سياق استعداد إسرائيلي لاستباق واستقبال "مرحلة ما بعد أبو مازن". لكن مع قرار "حماس" ستصبح وجهة هذه الخطوات مجتمعة موجهة لدعم أبو مازن والسلطة الفلسطينية، أملًا في أن تساهم هذه الخطوات بمنع سيطرة "حماس" وفوزها في الانتخابات المحلية.

التوقعات الإسرائيلية تغيرت كليًا بعد إعلان "حماس"، وتحولت إلى كابوس يرى فيه الاحتلال، أن حركة حماس ستنتصر في الانتخابات البلدية في محاور وبلدات كبيرة، أولها مدينة أم الفحم ومحافظتها، حيث يقر الاحتلال بسيطرة "حماس" شبه المطلقة في حال قررت خوض الانتخابات. وكذلك الحال في نابلس وطولكرم وحتى قلقيلية التي تشكل لوحدها رأس هذا الكابوس، لقربها من الخط الأخضر.

المشهد السياسي والأمني سيتغير كليًا إذًا، بفعل قرار "حماس"، الذي أدخل قيادة حركة فتح نفسها في دوامة جديدة لمعرفتها بتراجع شعبيتها في الشارع الفلسطيني. انطلاقًا من ذلك، طالب ليبرمان قيادة الجيش بالاستعداد لجلسة خاصة لمناقشة تبعات قرار الحركة وتداعياته وسبل مواجهته ومنعها من "السيطرة" على الضفة الغربية، لأن من شأن ذلك أن يؤدي، ربما، إلى تغيير البيئة السياسية التي مكنت إسرائيل منذ العام 2007 عمليًا، من الفصل بين الضفة والقطاع، وحصر "حماس" في قطاع غزة، والتعامل مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

السلطة الفلسطينية بدورها باشرت التحرك لإضعاف حركة حماس وضرب فرص فوزها في الانتخابات البلدية، عبر اعتقال نحو 70 ناشطًا سياسيًا رفيعي المستوى في الحركة. ومن المتوقع أن تشن السلطة حملات اعتقال إضافية لضرب الجهاز الانتخابي لـ"حماس"، التي قد ترشح أنصارها في قوائم مستقلة. المخاوف الإسرائيلية لا تقف عند انتصار مرشحي "حماس" في الانتخابات البلدية، وإنما تتجاوز ذلك لجهة محاولة استشراف نتائج ذلك، وانعكاس انتصار كهذا على مستقبل السلطة الفلسطينية، في سياق الاتجاه نحو المطالبة بانتخابات فلسطينية عامة لرئاسة السلطة، تمهيدًا لبسط سيطرة "حماس" لاحقًا على منظمة التحرير ومؤسساتها. هذا يعني في حال إجراء انتخابات فلسطينية عامة، ضياع مخططات الاحتلال لمرحلة ما بعد عباس.

"حماس" ستنتصر بحسب التوقعات الإسرائيلية، في مدينة الخليل والمجالس القروية والبلدية في محافظتها، كما يتوقع أن تفوز في كل من جنين ونابلس وقلقيلية، فيما لا تزال الصورة في مدينة طولكرم غير واضحة. لكن يتوقع أن تدفع السلطة ثمن الإهمال المتراكم لعشرين عامًا.

هو قرار له دلالاته وانعكاساته السياسية والاستراتيجية بلا شك على كل من مستقبل السلطة في الضفة وكذلك استعدادات الاحتلال لمرحلة ما بعد عباس، ليؤكد شيئًا واحدًا مهمًا، وهو أن الانتخابات المقبلة لن تشهد فوزًا بالتزكية لأي من مقاعدها ولا منافسة مفتقدة في ظل تنوع الأجندة المتنافسة وتعددها، وتبقى المراهنة على فوز فريق أو خسارته أمرًا لا يعني الفلسطينيين بقدر ما يعنيهم أن تقودهم قيادة قادرة على مواجهة الاحتلال من جهة، والنهوض بواقعهم الخدمي من جهة أخرى.