حصار عروس المقاومة

الخميس 28 يوليو 2016 11:06 ص بتوقيت القدس المحتلة

حصار عروس المقاومة

تكشف خريطة عمليات المقاومة الفلسطينية المتنوعة من طعن ودهس وإطلاق نار، منذ انطلاق الهبة الفلسطينية في تشرين الأول (أكتوبر) 2015م حتى بداية شهر تموز (يوليو) 2016م الحالي؛ تغيرًا كبيرًا في معادلة المقاومة الفلسطينية، فبات السؤال الأول الذي يتبع أي عملية مقاومة هو: "من أين خرج المقاوم؟"، لا السؤال الذي اعتاد طرحه الفلسطينيون على مدار العقود الماضية: "من الفصيل الذي تبنى العملية؟".

وعكست الانتفاضة الفلسطينية هذا التغير جذريًّا، بعد تقدم محافظات فلسطينية على غيرها في خروج مقاومين منها لتنفيذ عمليات المقاومة، كما هو الأمر مع محافظتي الخليل والقدس المحتلتين، إذ تظهر الأرقام في الضفة الغربية أن الخليل تتقدم جميع المدن الفلسطينية في معارك المقاومة المفتوحة الفردية أو المزدوجة، موقعة أكبر الخسائر بالاحتلال الإسرائيلي، تليها مباشرة مدينة القدس المحتلة.

مجموع عمليات الطعن عام 2015م وصل إلى 70 عملية تبعها استشهاد المقاومين الذين نفذوا هذه العمليات، ووصل عدد عمليات الدهس، وإطلاق النار، وعمليات إطلاق النار والطعن المزدوجة إلى 22 عملية نفذها مقاومون استشهدوا خلال تنفيذ العمليات، باستثناء بلال أبو غانم الذي أصدر الاحتلال قبل أيام بحقه حكمًا بالسجن المؤبد ثلاث مرات إضافة إلى ستين عامًا إضافية، بعد اتهامه بالمشاركة في عملية إطلاق النار والطعن المزدوجة التي نفذت في مستوطنة (أرمون هنتسيف) المقامة على أراضي جبل المكبر في القدس المحتلة، أما خلال النصف الأول من عام 2016م فقد وصل عدد عمليات الطعن إلى 38 عملية، فضلًا عن 15 عملية دهس وإطلاق نار.

ونفذ مقاومون من مدينة الخليل 28 عملية طعن عام 2015م، وست عمليات تنوعت بين دهس وإطلاق نار، ونفذ مقاوموها منذ بداية 2016م حتى اليوم الأول من شهر يوليو الحالي 20 عملية: 16 عملية طعن، وعمليتي دهس، وعملية مزدوجة إطلاق نار ودهس، وعملية إطلاق نار مطلع الشهر الحالي أدت إلى مقتل مستوطن.

بناء على هذه المعطيات يدرك الاحتلال الإسرائيلي أن مدينة الخليل تحولت إلى واحدة من أهم مدن المقاومة الفلسطينية، وتواصل قوات الاحتلال حصارها المفروض منذ نحو شهر تقريبًا لمحافظة الخليل (جنوبي الضفة الغربية) خاصة في المناطق الجنوبية منها، وسط عمليات اقتحام يومية وتفتيش واعتقالات، بحثًا عمن تسميهم مطلوبين لديها.

قوات الاحتلال لا تزال تغلق بالسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية والحواجز العسكرية مداخل بلدات عدّة في محافظة الخليل، خاصة المناطق الجنوبية، وتشدد من إجراءاتها وتنشر حواجزها في العديد من تلك الطرق.

وقد فرضت قوات الاحتلال الحصار على الخليل بعد استشهاد 3 فلسطينيين من بلدة بني نعيم، وقتل وإصابة عدد من الإسرائيليين في عمليات إطلاق نار وطعن، بينهم حاخام إسرائيلي قتل قرب الخليل مطلع الشهر الجاري.

قوات الاحتلال سلمت إلى عائلة الأسير محمد أبريوش من مدينة دورا جنوبي الخليل إنذارًا بهدم منزلها، وهو أحد المتهمين بقتل الحاخام، واعتقل بعد أيام من العملية، ولم تحدد قوات الاحتلال في إنذارها المكتوب موعدًا لعملية الهدم، لكنها أخبرت العائلة أنها تنوي هدمه في أي موعد، في حين كانت قد صورت المنزل وأخذت قياساته قبل أيام من تسليم الإنذار المكتوب فجر اليوم.

واقع الحال يشير إلى أن هناك تمركزًا يظهر ثقل عمليات المقاومة في الخليل، فهي تشكل ما نسبته 40 - 44 من المائة من عمليات المقاومة التي حدثت، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2015م، إما بوقوع العملية في الخليل أو خروج المنفذ منها.

لكن واقع المدينة يدل على دوافع تنامي عمليات المقاومة فيها، ففي محافظة الخليل احتكاك شديد وحالة توتر دائمة بين المواطن الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، وهذا يعود إلى كون المستوطنات تحاصر الخليل، فضلًا عن وجود المئات من المستوطنين يعيشون في قلب المدينة في بؤر استيطانية عدوانية، الأمر الذي لا يوجد في بقية المدن الفلسطينية التي تحاصرها المستوطنات فقط.

وجود عشرات الحواجز العسكرية الإسرائيلية داخل الخليل، وأخرى تفصل المدينة عن قراها يزيد من حالة الاحتقان داخل المدينة والقرى التابعة لها، ولم يكتف الاحتلال بهذا وحسب، بل إن هناك حواجز عسكرية تفصل بين قرى وبلدات الخليل، وتفصلها عن المستوطنات والشوارع الالتفافية التي يستخدمها المستوطنون، ما يجعل وتيرة الاحتكاك أسوأ وأكثر انتهاكًا لحقوق المواطنين الفلسطينيين وحرية حركتهم.

يبلغ عدد سكان محافظة الخليل نحو 750 ألف نسمة، أي ما يعادل 30 من المائة من سكان الضفة الغربية، أما جغرافيًّا فتبلغ مساحتها 1100 كيلو متر مربع، أي نحو 20 من المائة من مساحة الضفة، هناك تغير جذري قد حدث على التركيبة المجتمعية في الخليل، باتت معالمه واضحة في الهبة الحالية، وهو حلول الجغرافيا والعائلة مكان التنظيم السياسي الرسمي، فاليوم عندما يسمع الفلسطيني عن عملية أول ما يُسأل عنه: "من أين؟"، أي عمليات المقاومة باتت مصدر اعتزاز وفخر للمكان والعائلة، في ظل حالة الفراغ التي خلفها غياب التنظيمات.

الأمر اللافت هو دور العائلات المساند للمقاومة، عكس الماضي، إذ كانت العائلات مساندة للسلطة والنظام السياسي المسيطر، أما اليوم فإن العائلات تستمد قوتها من الحركة الوطنية وتفاخر بخروج مقاومين منها، وتتحمل العقوبات الجماعية من إغلاق البلدات، وسحب التصاريح الإسرائيلية كما هو الأمر جليًّا اليوم في مدن يطا ودورا وبني نعيم.

حصار مدينة الخليل وقراها جريمة ضد الإنسانية التي تتباهى أو تحاول التباهي بقيم الحرية وحقوق الإنسان، ويزيد من حجم المسؤولية على السلطة وباقي المفاصل السياسية الفلسطينية لمواجهة التغول الإسرائيلي ضد عروس المقاومة الجديدة.