يخشون الانتخابات

الأحد 24 يوليو 2016 11:09 ص بتوقيت القدس المحتلة

يخشون الانتخابات
خالد معالي

خالد معالي

كاتب صحفي

كثيرون من الحاشية، وممن هم حول الحكام والقادة العرب يخافون الانتخابات ويخشونها، وكلٌّ يعرف لماذا، ولكن في الحالة الفلسطينية يمكن القول: إن الذين يخافونها هم قلة قليلة متمترسة خلف مصالحها على حساب الشعب، كونهم يخشون الإرادة الحرة والتعبير السليم وحرية الاختيار للشعب الفلسطيني فيمن ينتخبه، خشية محاسبتهم لاحقًا على ما اكتسبوه بغير حق، وخارج نطاق القانون.

أولى أولويات الشعب الفلسطيني هي ترتيب بيته الداخلي، لمواصلة مشوار التحرير، والانتخابات البلدية تعجل في ذلك، كون التنافس بسلمية في من يخدم شعبه أكثر يدفع باتجاه تهدئة النفوس، وإزالة الاحتقان والتكلس والجمود، ما يترتب عليه ترتيب البيت الداخلي، والتسامي فوق الجراح، وعدم اجترار الماضي، وطي صفحة الانقسام إلى الأبد، وهو ما يزعج حكومة الاحتلال.

أعجب الشعب الفلسطيني كبقية شعوب الأرض بقوة الوعي السياسي للأتراك، والتفاف الشعب التركي حول خياره الديمقراطي الحر، الذي كان سببًا في تطوره وتخلصه من الفقر والجهل، وهو ما تجسد بإفشال الانقلاب، ما جعل الشعب الفلسطيني يتساءل: هل نحن أقل وعيًا وقدرة كي نخاف أو نخشى صناديق الاقتراع، ولا نستطيع أن ندافع عنها أمام أي شخص يفكر في الانقلاب عليها لاحقًا؟!

الاحتكام إلى إرادة الشعب الفلسطيني عبر صناديق الاقتراع أفضل خيار في المرحلة الحالية الحرجة من تاريخ القضية الفلسطينية، وليتحمل الشعب الفلسطيني نتيجة خياره، الذي هو في الأغلب لمصلحته ومصلحة تحرير الوطن، لأن يد الله مع الجماعة، فرأي الاثنين ليس كرأي الواحد، ورأي الثلاثة ليس كرأي الاثنين، ورأي الجماعة ليس كرأي الأفراد، فالأمة لا تجتمع على خطأ.

التخوف من الانقلاب على صناديق الاقتراع ليس في محله، ولننظر كيف صارت سمعة من ينقلب على خيار الشعوب بعد فشل انقلاب الجيش في تركيا؛ فالخطأ من الأفعال مهما كان فاعله وفي أية بقعة بالعالم؛ فكلٌّ يرفضه.

بناء المؤسسات السياسية الفلسطينية على أسس ديمقراطية كفيل بأن يزيل حالة الاحتقان والفساد، وكل الشوائب العالقة بالجسد والمؤسسات الفلسطينية، وانتخابات دورية تعني التفويض مدة زمنية قصيرة ومحددة أكثرها أربع سنوات، وليس إلى الأبد، فلا مجال للدكتاتورية والاستبداد في حالة مواصلة الانتخابات دوريًّا.

الوطن هو للجميع، وليس لفتح وحدها، أو حماس وحدها، وثبت أن يدًا واحدة لا تصفق، وقيادة وطن واقع تحت الاحتلال وفي حالة يرثى لها وحساسة من البدهي أنها تحتاج لجهود وطاقات الجميع بلا استثناء، ولا يجوز ترك جهد أي مواطن، فالطاقات الأصل تجميعها لتحقيق الهدف لا بعثرتها.

فتح وحماس والجبهات والجهاد وجميع قوى الشعب الفلسطيني شركاء في بناء الوطن، وهل سمعتم يومًا عن وطن تحرر في ظل انقسام وبعثرة قواه، واستثناء بعضٍ من عملية التحرير وبناء الوطن ومؤسساته؟!

تنبع حاجة الشعب الفلسطيني لصناديق الاقتراع من كونه في صراع معقد وشرس مع احتلال متوحش يقتل أطفالًا صغارًا جهارًا نهارًا، كما حصل قبل يومين، إذ قتل الطفل محيي الطباخي (12 عامًا)، وهو احتلال متغطرس، لا يرقب في مؤمن إلًّا ولا ذمة، ومواجهة احتلال كهذا تحتاج لكل طاقة ممكن تجميعها، ولكل جهد يمكن توظيفه في معركة التحرير الطويلة والشاقة.

مفاوضات سياسية بلا أوراق قوة تجعل الاحتلال يستفرد ويتنكر متى شاء، مثلما تنصل من اتفاق (أوسلو) وراح يستبيح الضفة الغربية صباح مساء؛ فالصراع المعقد مع احتلال كهذا يحتاج إلى مسيرة إعداد طويلة ومسيرة مواجهة ومقاومة حتى تحرير فلسطين وتطهير المقدسات، ضمن برنامج مقاوم موحد، متفق عليه.

من نجح في طرد الاحتلال من جنوب لبنان، وجعله يهدم 20 مستوطنة في غزة بيديه وينسحب منها صاغرًا ذليلًا، وهي التي قال عنها "شارون" يومًا: "إنها مثل (تل أبيب)"؛ قادر على تحرير الضفة الغربية لاحقًا مع كل الصعاب؛ ومن هنا إن الانتخابات البلدية وغيرها من الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وحرية اختيار الشعب الفلسطيني لمن يمثله، لتحقيق آماله وخياره بالتحرير ومقاومة المحتل الغاصب؛ هي الطريق الصحيح لتقصير زمن الاحتلال وكنسه، "ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا".