التنظيف.. والهوية

الخميس 21 يوليو 2016 10:42 ص بتوقيت القدس المحتلة

التنظيف.. والهوية

جلّ الأسئلة تتجه في تركيا وخارجها قائلة: ماذا بعد فشل الانقلاب؟! الإجابات التركية الرسمية ما زالت ذات سمة انفعالية، وعملية أيضًا.

تركيا تتجه داخليًّا نحو التنظيف الكامل أو شبه الكامل داخل الجيش وخارج الجيش، ممن شاركوا في الانقلاب الفاشل، أو حرضوا عليه، أو فرحوا به، أو يمكن أن يمثلوا خطرًا في المستقبل. التنظيف ولا أحب كلمة التطهير.

التنظيف لا يعني إلقاء عشرات الآلاف في الشارع، وفي السجون، بقدر ما يعني إخراج المعادين للحكم من مواطن التأثير المباشر، وفي المقابل زيادة قوة الموالين، وزيادة سيطرتهم على مفاصل التأثير في الدولة، من خلال القانون أولًا، ومن خلال الاستفادة من الحالة العاطفية والانفعالية، لقطع الطريق على أية محاولة انقلابية لاحقًا.

ما زالت حكومة تركيا تشعر بالقلق رغم فشل الانقلاب، وهذا يفسر طلبها من الشعب حماية الديمقراطية بالبقاء في الشوارع لنهاية الأسبوع، إضافة إلى وجود معلومات وشبهات تفيد بتورط دول كبيرة في المحاولة الانقلابية، وإذا ما ثبت هذا فإن الانقلاب يكون صراعًا حضاريًا واسع النطاق على الهوية في دولة كبيرة ذات موقع إستراتيجي بين آسيا وأوروبا .

إن حرص أميركا، وأوروبا، على حماية الانقلابيين من عقوبة الإعدام، يدل دلالة أكيدة أن الحالة القائمة هي حالة صراع على الهوية، وأنه صراع حضاري، ذو أعماق تاريخية، وأن تهمة (العثمانيين الجدد) تلاحق أردوغان وحزبه، وأن دولًا كبيرة تريد أن تستبق التمكين والتاريخ.

بعض كبار المحللين الغربيين حاول أن يجمل حالة الصراع بأنها بين الأتاتوركية العلمانية، وبين الإسلامية العثمانية، وهذه قراءة يمكن أن تكون صحيحة في التاريخ عند من يحرضون على حكم حزب العدالة والتنمية والهوية التركية، لأنه لا وجود قوي لهذا الصراع بعد أن تراجع حزب أتاتورك في الانتخابات إلى المرتبة الثالثة بين الأحزاب، وبعد أن رفض زعيمه المحاولة الانقلابية.

تركيا تتجه كما قال أردوغان مؤخرًا إلى إلقاء خلافاتها مع الجيران خلف ظهرها.

هو لم يحدد الجيران المقصودين، ولكنه يريد بناء سياسة جديدة لتركيا مع جيرانها المعنيين، وهذه السياسة تقوم على ما يعرف بتصفير المشاكل الخارجية وامتداداتها الداخلية، بحكم التركيبة السكانية لتركيا.

لست أدري من أين جاءت صحيفة رأي اليوم بأن المستفيد الأول من هذه المراجعة هو بشار الأسد، وبالتالي الخاسر الأكبر هي المعارضة؟! لا يوجد دليل على صحة استنتاج الصحيفة، ولكن يمكن أن نقول إنها تعبر عما يتمناه الكاتب.

تركيا الآن تعيش مخاضًا واسع النطاق، ولكنه مخاض واجب، بل ومفيد، بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، وهي تريد أن تخرج من هذا المخاض بما يمنع تدخل الجيش في الحكم بالمطلق، ولعشرات السنين، ليصبح مثله كمثل الجيش في فرنسا وألمانيا وغيرها، وأحسب أن الفرصة المناسبة قائمة الآن، سواء عادت تركيا إلى حكم الإعدام، أو لم تعد إليه، ولا أعتقد أن تركيا اليوم تضع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ضمن أولوياتها بعد أن اتضحت لها الأمور بشكل غير مسبوق.