قراءة فلسطينية في اتّفاق تركيا والكيان العبري

الإثنين 04 يوليو 2016 03:32 م بتوقيت القدس المحتلة

قراءة فلسطينية في اتّفاق تركيا والكيان العبري

ربما لم يجد إعلان تركيا والكيان العبري اتّفاقهما على تطبيع علاقاتهما أصداء إيجابيّة عالية لدى الفلسطينيين، لأنّه لم ينص صراحة على رفع كليّ لحصار غزّة، مع موافقته على إنشاء تركيا شبكات لتوليد الكهرباء، وتحلية مياه الشرب، وبناء مستشفى كبير بسعة 200 سرير، وإدخال سفينة مساعدات إنسانيّة بحمولة 10 آلاف طن.

وقد راقب الفلسطينيون من كثب سير المفاوضات، الّتي أدارتها تركيا والكيان لتطبيع علاقاتهما، بعد مرور ستّ سنوات على قطيعتهما الّتي وقعت عقب أحداث سفينة مرمرة قبالة شواطئ غزّة، لكنّ إعلان الاتّفاق قبل أيّام لم يكن له وقع إيجابيّ في أوساطهم، لأنّ العديد من الفلسطينيين اعتقدوا أنّ تركيا سيكون في مقدورها فكّ الحصار نهائيًّا عن غزّة، لكن اكتفى الاتّفاق بإدخال مساعدات إنسانيّة معيشيّة وبعض المشاريع الحيويّة.

في الوقت نفسه يبدو أنّ تركيا حقّقت في اتّفاقها مع الكيان أقصى ما استطاعت فعله، لتخفيف حصار غزّة الّتي تعاني أزمات اقتصاديّة، مع أنّها حاولت في السنوات الماضية رفع الحصار كليًّا عن القطاع، ما قد يفسّر خيبة أمل بعض الفلسطينيّين من الاتّفاق، ولكن لا ينبغي أن نحمّل تركيا مسؤوليّة عدم رفع الحصار.

وقد تفاوتت ردود الفعل الفلسطينيّة على اتّفاق تركيا والكيان، لاسيّما فيما يتعلّق بالوضع في غزّة وعدم قدرة تركيا على تحقيق وعودها ومطالباتها الدائمة برفع كليّ وإزالة نهائيّة للحصار عن القطاع. وفي حين أصدرت حماس بيانًا رسميًّا شكرت فيه الرئيس رجب طيّب أردوغان، والجهود التركيّة المبذولة لمساعدة غزّة وتخفيف حصارها؛ حرصت تركيا على إطلاع الحركة على تفاصيل اتّفاقها مع الكيان، في الزيارة الطارئة لرئيس مكتبها السياسيّ خالد مشعل إلى أنقرة، ولقائه أردوغان.

علمًا بأنه منذ البداية لم يكن واقعيًّا الاعتقاد بقدرة تركيا على رفع الحصار تمامًا عن غزّة، لكثرة الأطراف المتداخلة فيه إسرائيليًّا وفلسطينيًّا وإقليميًّا، ومع ذلك كان بإمكان تركيا التوصّل مع الكيان إلى حلّ وسط بتخفيف جديّ للحصار، واعتراف بدور تركيّ أوسع في غزّة بإقامة ممرّ بحريّ إليها، لكنّ سقف تركيا انخفض في الاتّفاق، واقتصر على إدخال مساعدات غذائيّة فقط إلى غزّة.

ربّما يعلم الفلسطينيون أنّ اضطرار تركيا إلى الاتّفاق مع الكيان دون رفع كليّ لحصار غزّة جاء بسبب الظروف الداخليّة والإقليميّة لتركيا، وآخرها تفجيرات إسطنبول، واتّساع رقعة خلافاتها في المنطقة، بعكس سياسة صفر المشاكل الّتي أعلنتها في عام 2002م، فور صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة.

بعض دوائر صنع القرار الفلسطيني لم يكن لديها سقف أعلى من الاتّفاق التركيّ - الإسرائيليّ، ولم تصب بمفاجأة مؤلمة منه، وربّما جاء الإحباط في بعض أوساط الفلسطينيين لأنّ الغريق يتعلّق بقشّة تنقذه، لكنّ الأوساط الرسمية الفلسطينية يفترض أنها كانت واعية للمعادلات السياسيّة المعقّدة الّتي تحكم الإقليم، أهمّها أنّ حصار غزّة متعدّد الأضلاع تشارك فيه قوى تتحكّم في المنطقة، وليس في قدرة تركيا وحدها رفع الحصار، ولا يفترض أنّ الاتّفاق التركيّ - الإسرائيليّ سيؤثّر سلبًا على علاقة حماس مع الأتراك، فالحركة لا فائض لديها في علاقاتها السياسيّة، وستكون معنيّة باستمرار العلاقة معهم حتى بعد اتّفاقهم مع الكيان.

وبعد استيعاب الفلسطينيين ما يمكن تسميتها "صدمة" الاتّفاق التركيّ - الإسرائيليّ، الّذي بدا للوهلة الأولى تراجعًا عن رفع الحصار الكامل عن غزّة، وعدم تضمّنه إقامة ميناء لها أو ممرّ مائيّ إلى العالم الخارجيّ؛ بدأت تخرج أصوات وكتابات تحاول الدفاع عن موقف تركيا، وإيجاد مسوغات لتراجعه، ربّما رغبة في عدم توجيه انتقادات حادّة إلى أنقرة، لأنّ الفلسطينيين لا ترف لديهم بعلاقاتهم الإقليميّة والدوليّة، في حين واصلت منشورات وأقلام أخرى انتقادها للاتّفاق التركيّ - الإسرائيليّ.

ربما ليس من الوجاهة أن يلوم الفلسطينيّون الأتراك على خفض سقفهم باتّفاقهم مع الكيان، لكنّ الوجاهة تقول: إن بعض الفلسطينيين رفعوا سقف توقّعاتهم مع الأتراك عاليًا، ولم يدركوا أنّ تركيا لديها علاقات إقليميّة سيّئة مع روسيا وسوريا وإيران والكيان العبري ومصر، ما دفعها إلى تسريع توقيع الاتّفاق مع الكيان بطريقة ميكيافيليّة، بعكس ما كانت ترغب حماس وتتمنّى.

أخيرًا وقّعت تركيا اتّفاقها مع الكيان لأسباب تركيّة بحتة، سواء أكان الموقف الفلسطيني الموافقة أم التحفّظ أم الاعتراض، وهي مناسبة لهم لمحاولة إدارة علاقاتهم السياسيّة الخارجيّة بمنطق المصلحة لا الأيديولوجيّة، وقياس حجم الفائدة لا الولاء الفكريّ.