حل الدولتين وسراب التسوية

الخميس 02 يونيو 2016 10:01 ص بتوقيت القدس المحتلة

حل الدولتين وسراب التسوية

لم يكن حل الدولتين مطروحًا لدى الإسرائيليين خيارًا جديًّا منذ بدء المفاوضات مع السلطة الفلسطينية إبان حقبة (أوسلو)، كان إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل قد صرح في خطاب له في (الكنيست) في أثناء التصديق على اتفاقية (أوسلو) الثانية أن كيان الاحتلال الإسرائيلي يرفض حل الدولة المتعددة الأعراق، وأنه يريد بدلًا من ذلك حلًّا دائمًا يضمن قدسًا موحدة عاصمة للكيان العبري، وكيانًا فلسطينيًّا لا يرقى إلى مستوى الدولة، والإبقاء على التجمعات الاستيطانية القائمة في الضفة الغربية.

رؤية رابين التي تعرف باسم «فرض الحقائق على الأرض» قد تحققت؛ فقد تكاثرت المستوطنات منذ حرب عام 1967م بصورة جنونية، ولم يعد هناك من ضابط أو رادع لوقف البناء الاستيطاني الذي أضحى ينخر كالسرطان في جسد الأراضي الفلسطينية.

معضلة أخرى تبرز أمام تسوية مقترحة أو متخيلة، هي قطعان المستوطنين المقيمين على أراضي الضفة الغربية المحتلة والقدس المحتلة، لا يعرف على وجه الدقة تعداد المستوطنين في القدس؛ ففي أوائل 2015م ذكر وزير الداخلية الإسرائيلي أن نحو 389250 مستوطنًا يعيشون في الضفة الغربية، في مقابل 400000 وفقًا لإحصائيات 2014م، وأن 375000 يعيشون في شرقي القدس، في مقابل 300000 وفقًا لإحصائيات 2014م أيضًا، وهو ما يشير إلى نمو متسارع في تعداد المستوطنين في شرقي القدس.

من أهم الملاحظات على عملية تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلتين تسارع نمو المستوطنات بعد اتفاقية (كامب ديفيد) في عام 1979م، التي أزاحت مصر إلى خارج الصراع وأوكلت إليها مهمة حصار غزة، ولم تؤثر رعاية الولايات المتحدة لمعاهدات (أوسلو) أو ما تلاها من اتفاقيات (مثل خريطة الطريق المنسية) على معدل النمو هذا، وتسارع معدل نمو المستوطنات بعد انتخاب كل من أوباما ونتنياهو، لاسيما في القدس والمنطقة "ج".

معظم الفلسطينيين يعيشون الآن في المنطقتين "أ" و"ب" (انتقل العديد منهم قادمين من المنطقة "ج")، وهم يتوزعون في مناطق متفرقة تحيط بها المنطقة "ج"، وتظهر المستوطنات الإسرائيلية وطرق خاصة بالإسرائيليين فقط، ونقاط تفتيش فلسطينية على مداخل ومخارج المناطق الفلسطينية المتناثرة، وباستثناء أريحا الواقعة شمال البحر الميت تقع كل المناطق الفلسطينية غرب حدود الأردن مع شبكة من المستوطنات، وتفصل الطرق الخاصة بالإسرائيليين والبحر الميت بين الفلسطينيين والأردن.

ما يسمى «الكيان الفلسطيني» مقطَّع الأوصال ومحاصَر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ولهذا يتضح بجلاء سبب انسحاب ما قاله يادين قديمًا على الوضع القائم بشكل كامل.

كان العالم قد تفاءل بوصول باراك أوباما إلى الحكم في عام 2008م، لكن نمو المستوطنات الإسرائيلية قد تسارع خلال رئاسته، ما يزيد من احتمالية استيلاء الكيان العبري على المنطقة (ج)، فلم تتقلص المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية إلى مناطق متناثرة لا يمكن وصلها، ما يتعارض مع منطق التكامل في كيان متماسك قابل للحياة فحسب، وإنما نمط الطرق الخاصة بالإسرائيليين فقط أخضع الموارد المائية في الضفة الغربية للسيطرة الإسرائيلية أيضًا، واليوم تأتي ثلث ميزانية الاحتلال الإسرائيلي للمياه من المياه الجوفية الواقعة أسفل مرتفعات الضفة الغربية، ويستهلك الاحتلال الإسرائيلي نسبة 80% من تلك المياه ويترك 20% للفلسطينيين.

لم تكتف الولايات المتحدة بالقبول بعمليات الاستيلاء على الأرض التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي، ولكنها ساهمت في الجهد الإسرائيلي بالتمويل، كانت صحيفة (هآرتس) قد كشفت عن التمويل الأميركي للمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في تحقيق لها تحت عنوان: "لماذا يمول بنك (غولدمان ساكس) المستوطنين اليهود العنصريين في الخليل؟"، وقد كشف التحقيق أن أوباما عرض مساعدات قدرها 40 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، لكنه اشترط ألا يضغط الكيان العبري على (الكونغرس) للحصول على مساعدات إضافية خلال تلك السنوات العشر، وهو ما لم يرق الإسرائيليين، لكن التحقيق لم يذكر أي شيء عن إخلاء المستوطنات أو وقف تمددها.

يبدو أن مرشحي الرئاسة الأميركيين في الانتخابات المقبلة غير مهتمين بحل الصراع القائم على أساس حل الدولتين، باستثناء بيرني ساندرز، ويتجلى ذلك في خطابات المرشحين كافة في مؤتمر (آيباك) الذي عقد أخيرًا، لذا من غير المرجح توقف استيلاء كيان الاحتلال على الأراضي والموارد المائية في الضفة الغربية، وذلك بأموال دافعي الضرائب في أميركا والمساعدات العسكرية المقدمة من أميركا إلى الحكومة الإسرائيلية، فهل بعد ذلك من الممكن التعويل على أي مرشح أمريكي مقبل للرئاسة في الولايات المتحدة، أو انتظار سراب التسوية، وكيان الاحتلال مستمر في ابتلاع الأرض والموارد الفلسطينية؟!