ما بعد تعيين ليبرمان وزيراً للحرب

الأربعاء 25 مايو 2016 11:22 ص بتوقيت القدس المحتلة

ما بعد تعيين ليبرمان وزيراً للحرب
د.صالح النعامي

د.صالح النعامي

كاتب سياسي

يحلو للبعض أن يقلل من احتمال أن يفضي انضمام حزب «إسرائيل بيتنا» للائتلاف الحاكم الذي يقوده بنيامين نتنياهو وتولي زعيمه أفيغدور ليبرمان منصب وزير الحرب، إلى تصعيد صهيوني غير مسبوق ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ويرى أولئك أن السياسة العامة تجاه الفلسطينيين تقررها الحكومة الصهيونية بشكل عام وليس شخص وزير الدفاع، كما ينص القانون الأساسي في تل أبيب. ومن أجل اضفاء صدقية على هذا التحليل، فإن هؤلاء يزعمون أن التجربة قد أثبتت أن ليبرمان عندما يكون داخل الحكومة فإنه لم يبد تشبثاً بالمواقف المتشددة التي كان يرددها أثناء تواجده في المعارضة.

إن اتجاهات هذا التحليل تبدو غير متماسكة ولا تستند إلى أساس منطقي متين؛ حيث إن أصحاب هذا التحليل يتجاهلون -أو لا يدركون- طابع بيئة صنع القرار في تل أبيب، والعوامل المؤثرة عليها، والتي تختلف من وقت إلى آخر.

إن هذا المقال ينطلق من افتراض مفاده أن انضمام ليبرمان لحكومة نتنياهو سيوفر محفزات للتصعيد على قطاع غزة، وفي الوقت ذاته، فإن هذه المحفزات سيقابلها كوابح يمكن أن تقلص من تأثير هذه المحفزات.

محفزات التصعيد:

تزيد البيئة السياسية التي استجدت بعد انضمام ليبرمان من احتمالات تصعيد الكيان الصهيوني عسكرياً ضد المقاومة في قطاع غزة وسياسياً ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. ومن الأهمية الإشارة إلى أننا نتحدث عن «بيئة تصعيد» وليس عن «تصعيد»، بمعنى أن انضمام ليبرمان للحكومة يوفر عوامل التصعيد، لكن هذا لا يعني أن التصعيد سيتم بمجرد دخوله الائتلاف، علاوة على أنه يمكن أن تستجد ظروف كوابح في المستقبل القريب يمكن أن تقلص من تأثير انضمام ليبرمان.

وعلى كل الأحوال، فإن مركبات بيئة التصعيد الناجمة عن انضمام ليبرمان للحكومة، تكمن في التالي:

أولاً: انضمام ليبرمان وحزبه يعزز من قبضة اليمين الديني والعلماني على حكومة بنيامين نتنياهو، حيث إن هذه الحكومة ستكون تحت تأثير شبه مطلق لثلاث قوى رئيسة، وهي: «صقور» حزب الليكود، مع العلم أن الأغلبية الساحقة من وزراء الليكود يعدون ضمن هذه القائمة، حزب «البيت اليهودي» برئاسة وزير التعليم نفتالي بنات، وهذا الحزب يمثل المستوطنين الصهاينة بشكل واضح، بالإضافة إلى حزب ليبرمان. وإن كانت التجربة قد دللت على أن نتنياهو لا يبدو متحمساً لاتخاذ قرارات على الصعيد العسكري ضد الأطراف الخارجية، إلا أن نتنياهو في المقابل يدرك أنه بدون استرضاء القوى الأشد تطرفاً في حكومته، فأن ائتلافه سيسقط. ونظراً لأن نتنياهو يقدس بقاءه السياسي، فأنه سيبذل جهوداً لضمان الحفاظ على ائتلافه الحاكم، ولو بثمن التجاوب مع مواقف المركبات المتطرفة في حكومته.

ثانياً: يعتبر كل من ليبرمان وبنات أن مشاركتهما في الحكومة هو السبيل لكل منهما للمنافسة على رئاسة الوزراء مستقبلاً، وذلك من خلال استرضاء قواعد اليمين الإسرائيلي عبر مواقف متشددة، مما يدفع للاعتقاد أن نتنياهو سيرد باتخاذ مواقف متشددة للحفاظ على شعبيته.

ثالثاً: لا يمكن تجاهل مواقف ليبرمان المعلنة تجاه الشأن الفلسطيني. فقد وضع ليبرمان مواجهة المقاومة في غزة على رأس أولوياته. فليبرمان السياسي الوحيد الذي يدعو إلى المبادرة بإسقاط حكومة حماس في غزة، علاوة على أنه ينادي بتصفية قيادات الحركة السياسيين والعسكريين. ويدعو ليبرمان لفرض انتداب دولي على غزة بعد تصفية حكم حماس حتى يتقدم طرف فلسطيني او عربي يمكن أن يدير شؤون القطاع. وإن كان قادة إسرائيل الأمنيين والسياسيين يرون في محمود عباس شريكا أثبت جدارته في الحفاظ على الأمن الصهيوني، فأن ليبرمان يراه جزءاً من المشكلة ويدعو لوقف تقديم الدعم المالي للسلطة. في الوقت ذاته فأن ليبرمان معروف بعلاقاته الوثيقة بالقيادي المطرود من حركة فتح محمد دحلان، وهناك في إسرائيل من يرى أن ليبرمان سيكون مستعداً لمساهمة بتهيئة الظروف أمام عودة دحلان لدائرة الأحداث وصولاً إلى التسلق إلى رئاسة السلطة.

رابعاً: توفر الظروف الإقليمية الحالية بيئة مناسبة لأية مغامرة يمكن أن يندفع إليها ليبرمان. وهذه مناسبة للرد على أولئك الذين قالوا أن ليبرمان كان يتنبى موقفاً معتدلاً أثناء حرب 2012، فهذا صحيح لأن من كان في قصر الجمهورية في القاهرة هو محمد مرسي وليس عبد الفتاح السيسي أو حسني مبارك.

خامساً: يمكن أن تساعد البيئة الدولية ليبرمان باقناع زملاءه بالتصعيد، حيث أن هناك الكثير من القضايا المشتعلة في أرجاء العالم، التي ستقلص من اهتمام العالم بما يمكن أن يقدم عليه الكيان الصهيوني. في الوقت ذاته، فأن النظام العالمي يتجه للفراغ بسبب توجه الولايات المتحدة للانتخابات الرئاسية.

كوابح

وفي مقابل محفزات التصعيد التي ينطوي عليه انضمام ليبرمان للحكومة، فأن هناك كوابح قد تقلص من تأثير انضمامه:

أولاً: قد تلعب أنماط السلوك الفلسطينية دوراً مهماً في تقليص فرص التصعيد الصهيوني أو تبريرها. صحيح إن إسرائيل لا تحتاج إلى مسوغات ومعظم الحالات كانت إسرائيل هي من يبادر لشن هجمات، ومع ذلك، يتوجب الاعتراف أن بعض جولات التصعيد في الماضي كان بالإمكان تلافيها لو تحلت المقاومة بالقدر المطلوب من الحكمة.

ثانياً: على الرغم من أن قيادة الجيش الإسرائيلي تخضع وفق القانون الأساسي للمستوى السياسي الحاكم، إلا أن هناك خلاف بين المستوى السياسي والعسكري بشأن الملف الفلسطيني سواء تجاه غزة أو الضفة. وسيكون من الصعب (وليس المستحيل) على ليبرمان تمرير قرارات بالتصعيد في حال كانت هناك معارضة أو تحفظ من المؤسسة الأمنية.

ثالثاً: قد تسفر التحولات الإقليمية عن تهديدات تجعل إسرائيل تعيد النظر في أي توجه للتصعيد ضد غزة أو الضفة.

بغض النظر عن محفزات التصعيد وكوابحه بعد انضمام ليبرمان لحكومة نتنياهو، فأن الثابت أن هذا التحول سيترك تأثيره على بيئة صنع القرار في تل أبيب بشكل عميق.