الحرب الاستخبارية لدى المقاومة الفلسطينية

الخميس 21 أبريل 2016 02:20 م بتوقيت القدس المحتلة

الحرب الاستخبارية لدى المقاومة الفلسطينية
رامي أبو زبيدة

رامي أبو زبيدة

باحث بالشأن العسكري

 إن التخطيط السليم للمعركة يتوقف إلى حدٍ كبير على معرفة نوايا العدو وأسراره، وإن الاستخبارات هي التي تمدُّ القائد بالأسس التي يبني عليها قراراته، ولأهمية الاستخبارات العسكرية وشموليتها نجد أن أعمال وأنشطة الاستخبارات العسكرية موجودة مع الإنسان منذ القدم، ولكنها أصبحت في هذه الأيام أكثر استخداماً وأهمية.

تعرَّف الاستخبارات بأنها المعرفة والعلم بالمعلومات التي يجب أن تتوافر لدى كبار المسئولين من المدنيين والعسكريين، حتى يمكنهم العمل لتأمين سلامة الأمن القومي، وورد في قاموس المصطلحات الأمريكية أن الاستخبارات: نتيجة جمع وتقييم وتحليل وإيضاح وتفسير كل ما يمكن الحصول عليه من معلومات عن أي نواحي دولة أجنبية، أو لمناطق العمليات، التي تكون لازمة لزوماً مباشراً للتخطيط.

إن أعمال وأنشطة الاستخبارات موجودة لدى الإنسان منذ القدم، وقد مارسها في سبيل تحقيق احتياجه، وحماية نفسه وقوته، ولقد بذل الحكام منذ عصور عريقة في القدم جهوداً كبيرة للحصول على معلومات عن البلاد المنافسة التي تقف أمامها موقف الخصم المزاحم، وكانت جيوشها حريصة لمعرفة معلومات عن الجيوش المنافسة، وعن مسارح العمليات الحربية المحتملة أو المتوقعة.

وفي هذا السياق يقول (ألان دالاس) الرئيس الأسبق للمخابرات المركزية الأمريكية: تاريخ نشاط الاستخبارات قديم قدم المنافسة بين المجتمعات والأمم، وما دامت قد وجدت حاجة ملحَّة لحماية مصالح حاسمة الأهمية لحاكم أو دولة أو حكومة ما؛  كانت هناك حاجة ملحَّة للاستخبارات، لذلك نجد أن هناك استخدامات عديدة وقديمة من صور الاستخبارات على مدار التاريخ.

فقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم استخباراته في غزوتي بدر والخندق، فنجد أنه حرص على الإلمام بأكبر ممكن من المعلومات، وكذلك حرصه على عدم تسرب معلومات جيشه إلى عدوه، لذا أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود فتعلمها.

أما خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ملئت وصاياهم إلى قادتهم بنصائح كثيرة، تحض على معرفة أسرار العدو، وأهمها وصية أبي بكر الصديق لعمرو بن العاص عندما وجهه إلى أرض فلسطين، ووصية عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، وهذه الوصايا مشهورة ومدونة في كتب التاريخ.

و بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ازدادت عمليات التجسس والتسلل، وكان من نتيجة ذلك ازدياد اهتمام الاستخبارات بالأمور الأمنية، حتى تضع العراقيل والعوائق أمام العملاء، وتجعل مهمتهم أكثر صعوبة، ومع تطور الصناعة العسكرية واستخدام الوسائل الحديثة في الآلة الحربية، أصبحت الدول تهتم بتطوير أجهزة الاستخبارات وتعتمد على الأقمار الصناعية بشكل عام، وخاصة عندما تدخل في العمليات الحربية، حيث تلتقط هذه الأقمار الصور الدقيقة التي سيتم قصفها أو مهاجمتها ، إلا أنه مع هذا التطور لم تغفل وتتجاهل هذه الدول دور رجال المخابرات والجواسيس الذين تعتمد عليهم بدرجة كبيرة من أجل المحافظة على أمنها القومي.

إن أجهزة الاستخبارات هي التي تمد القائد بالأسس التي يبني عليها قراراته، وكثيراً ما ترجع أهمية الأجهزة الاستخبارية إلى حاجة الدولة أو القائد إلى معرفة ما يخبئه له عدوه، وإن فنون التجسس الأساسية قلما تتغير عبر العصور، ولكن يبقى الجاسوس هو القاعدة الأساسية لجمع المعلومات.

لذلك فإن المعلومات الاستخبارية هي مجموعة المعارف المتعلقة بالعدو وبلاده، فهي الأساس الذي تبنى عليه الخطط، لذا تؤكد جميع الأنظمة العسكرية أن علينا ألاّ نثق إلا بالمعلومات الأكيدة وأن نتمسك دائماً بالحذر التام، إن المعرفة تحمل في طياتها القوة، ولذلك يمكن للمعرفة السرية أن تصبح قوة سرية، إن جهازاً سرياً للاستخبارات عنده معلومات من مصادر خفية يمكن له أن يساهم بقسط كبير في عملية رسم السياسة أو في العمليات السياسية في البلاد الأخرى، كما أن المعلومات هي عين القيادة وأذنها؛ إذ بها توضع الخطط السليمة، ولقد كتب المفكر الصيني القديم (صن تزو): "إذا عرفت العدو وعرفت نفسك، فليس هناك ما يدعو إلى أن تخاف نتائج مئة معركة، وإذا عرفت نفسك ولم تعرف العدو فإنك تقاسي من هزيمة مقابل كل انتصار، وإذا لم تعرف نفسك ولم تعرف العدو فإنك أحمق وسوف تواجه الهزيمة في كل معركة".

إن أفضل المعلومات للكتائب والوحدات المقاتلة هي المعلومات التي تحصل عليها قبل الهجوم على العدو، وهي أكثر فائدة من خريطة كاملة لجميع مواقع العدو التي تنشر بعد الهجوم، كما أن مواجهة العدو تتطلب إعدادا خاصاً، وهذا الإعداد يقوم أساساً على حجم المعلومات التي تكون تحت بصر وفكر القائد، وحجم المعلومات يتوقف على حجم الجهد الذي يبذل في جمعها، فبمقدار حجم المعلومات وصدقها تكون دراسة القائد للموقف وتقديره ووضع خططه، ويشترط أن تكون المعلومات بالغة الدقة، وأن تصل في وقت مبكر بقدر الإمكان، لتسع الفرصة للتأكد من صحتها واستكمال معالمها، ثم تصنيفها وتحليلها واستنباط ركائز الخطة العامة للعمل، إذ إن أمن الأمة يتوقف على مدى المعرفة التي تتوافر لديها، وتوافر المعرفة المبكرة ضرورة لتجنب المفاجأة، ولمباشرة وضع الخطط على أسس سليمة.

ويتضح أن للمعلومات العسكرية التي تجمعها الاستخبارات أثناء الحروب أهمية كبيرة، وأثراً كبيراً على سير المعارك، ويمكننا القول بإيجاز إن المعرفة في لغة الاستخبارات تحقق غرضين:   

الأول: تستعمل لغرض وقائي، أو دفاعي، لأنها تنذرنا مسبقاً بما قد تدبره الدول الأخرى للإضرار بالمصالح الوطنية.

الثاني: إنها تصلح للاستعمال الإيجابي لأنها تمهد الطريق لسياستنا الخارجية أو استراتيجيتنا العظمى.

وعلى ذلك لم يعد الأمر مقتصراً لدى المقاومة الفلسطينية على التسلح والجانب العسكري فقط، بل هناك وسائل وأجهزة ووحدات تابعة لأجهزة أمن المقاومة، مهمتها جمع المعلومات عن الاحتلال ومواطنيه وجيشه وظروفه العسكرية، وهناك حرب تجسسية تدور بين المقاومة والاحتلال، فالمقاومة تؤمن أن عليها بناء منظومة أمنية قوية متطورة إلى جانب التقدم العسكري .

وعند الحديث عن دور أجهزة الاستخبارات التابعة للمقاومة يمكن القول أنه دور تكاملي مع الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة في غزة، وتتعدد جوانب هذا الدور وأهدافه، ويأتي في مقدمتها تمكين الجبهة الداخلية، والحفاظ على أمن أفراد المقاومة ومقدراتها، وذلك من خلال إحباط خطط أجهزة استخبارات العدو ومؤامراتها، خصوصاً ما يتعلق بالعملاء والأدوات التقنية، هذا على صعيد الدور الدفاعي. أما على الصعيد الهجومي فإن المقاومة تعتبر أن كل أراضينا المحتلة عام 1948 وعام 1967 والتي يجثم الاحتلال الغاصب عليها؛ مسرح عمليات أمنية لها، حيث تتعدد مهامها وأهدافها في هذه المنطقة، ومن المؤكد أن العمل الاستخباراتي للمقاومة أسهم كثيراً في تحقيق الانتصارات في الحرب الأخيرة على العدو الإسرائيلي، وتجاوز كثيراً من السلبيات التي وقعت في حرب الفرقان عام 2009، ويظهر هذا جلياً باعتراف وزير الحرب الصهيوني "موشيه يعالون بقوله: "إن حركة حماس تمتلك قدرات استخبارية عالية جداً تشبه تلك القدرات التي تتوفر لدى الدول".

وأشار يعالون إلى أن حماس علمت بزيارته لنحال عوز  بحرب غزة 2014 بطرق استخبارية مسبقة. ولفت يعالون إلى أن إلغاءه للزيارة المقررة لمغتصبة نحال عوز في آخر أيام الحرب بسبب حركة حماس سيجعله يدفع ثمناً سياسياً كبيراً من خلال تضرر صورته أمام المغتصبين وخاصة في مغتصبات غلاف غزة. وأضاف: "حماس علمت بالزيارة وفقاً لمعلومات استخبارية مسبقة.. ويجب استخلاص العبر من ذلك...

ويزعم العدو أن كتائب القسام شكّلت وحدة خاصة لأغراض التجسس، وجمع المعلومات عن تحركات جيش الاحتلال الإسرائيلي على حدود قطاع غزة. وقد تمكنت من إرسال طائرات من دون طيار مزودة بكاميرات، لتصوير حدود القطاع والمواقع التابعة لجيش الاحتلال على تخوم غزة، فعلى الحدود "صراع أدمغة " بين الجيش الصهيوني والمقاومة الفلسطينية آخذ في الاحتدام، يتزود فيه كل طرف بمزيد من المعلومات عن الآخر. الجيش الصهيوني الذي يستخدم كافة وسائل التكنولوجية في المراقبة والتنصت والتجسس، والتصوير لم يعد صاحب اليد الطولى على الحدود، فهو يعلم أن المقاومة تراقب وتجمع المعلومات، وإن كانت بطريقة أقل تطوراً .

هناك عدة طرق تستخدمها المقاومة من أجل جمع المعلومات، بعضها أعلنت عنها، وأخرى ذكرتها قوات الاحتلال ورفضت المقاومة التعليق عليها، لكنها كانت تكتفي بالقول على لسان قادتها: “إن من حق المقاومة أن تقوم بالإعداد، والتسلح بكافة الأشكال استعدادا لأي مواجهة قادمة.” ومن هذه الطرق:

المنطاد: تمكنت كتائب القسام من إطلاق منطاد تجسسي مزود بكاميرات مراقبة، على طول حدود قطاع غزة مع أراضي الـ(48)، يعمل على جمع المعلومات عن تحركات جيش الاحتلال على الشريط الحدودي، كما أنه قادر على جمع المعلومات من داخل المناطق “الإسرائيلية”.

طائرة بدون طيار: لم تخفِ كتائب القسام مؤخراً إرسالهاً طائرات (بدون طيار) مزودة بكاميرات، لتصوير الحدود والمواقع التابعة لجيش الاحتلال على تخوم غزة بغرض “التجسس”، وأعلنت أنها تمتلك ثلاثة أنواع من الطائرات بدون طيار (استطلاعية وهجومية وانتحارية) وأطلقت عليها اسم "أبابيل".

وفي وقت متزامن مع ذلك كانت قوات الاحتلال قد أعلنت أن حماس تتجسس عليها من خلال نصب كاميرات ذات دقة عالية،

شارع جكر: مؤخرًا افتتحت القسام شارعًا أطلقت عليه اسم “جكر”، وهو مصطلح بلهجة العامية الفلسطينية يعني “العند”، ويمتد الشارع على طول الشريط الحدودي الشرقي الفاصل، بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 48، كما أقامت موقعًا عسكريًا لها مقابل كل برج مراقبة إسرائيلي. وقالت دولة الاحتلال الإسرائيلي أن الشارع “سيساعد القسام في جمع معلومات وإقامة تدريبات ونشاطات حينما يحتاج الأمر في أي حرب أمام الاحتلال الإسرائيلي”.

أبراج المراقبة : تنشئ حركة حماس عدة أبراج مراقبة على حدود قطاع غزة مع الاحتلال، أبرزها تلك التي كانت على امتداد شارع جكر، كما أن حركة “الجهاد الإسلامي” أنشأت برج مراقبة خشبي على الحدود الشرقية لمدينة خان يونس جنوب قطاع، وعلى بعد حوالي 500 متر عن الشريط الحدودي الفاصل.

المجال التقني :  لقد تمكنت المقاومة من اختراق قاعدة بيانات وأرقام هواتف لآلاف الجنود الصهاينة خلال الحرب الأخيرة، وكذلك نجحت في اختراق أجهزة وحواسيب الاحتلال، وعدة قنوات فضائية، وإرسال رسائل smsللجمهور الصهيوني؛ الأمر الذي ترك تأثيرات نفسية كبيرة على العدو، وأحدث نقلة نوعية تقنية وتكنولوجية على صعيد العمل المقاوم في الأراضي الفلسطينية.

لا تكف دولة الاحتلال الإسرائيلي عن الحديث عن قدرات القسام الاستخباراتية والمخابراتية، وتؤكد مصادر عسكرية فيها أن استخبارات حماس باتت منافسًا حقيقيًا، و”أنها لم تعد تقتصر على معرفة تجمعات جيش الاحتلال حول القطاع والقطع البحرية الإسرائيلية، وإنما تعدى ذلك خلال الشهور الأخيرة إلى جمع معلومات استخبارية عن الإسرائيليين عسكريين ومدنين داخل عمق إسرائيل” حسب ما نقلته إذاعة جيش الاحتلال.

يقول قائد كتيبة “نيشر” لجمع المعلومات الاستخبارية ويدعى “تومر”: إن الاستخبارات الإسرائيلية تراقب تطور أداء حماس الاستخباري، وتقوم بتسجيل جميع أنشطة حماس لجمع معلومات عن المواقع الإسرائيلية التي من شأنها أن تثبت فاعليتها في أي صراع في المستقبل”، مضيفاً: “نحن نراهم يراقبوننا، ولكن ليس هناك شك أننا أقوى منهم في هذا المجال، ولكنهم منافسون أقوياء لنا، ويمكن وصف ما يدور على الحدود بأنه منافسة من وراء الكواليس بين الجيش الإسرائيلي وخلايا الاستخبارات الميدانية التابعة لحماس، أما قائد اللواء الجنوبي في فرقة غزة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، العقيد هاموس هكوهين، فيقول: “إن مقاتلي حماس لا يجلسون مكتوفي الأيدي، وإنما يبنون أمامنا منظومة جمع معلومات استخباراتية تشمل كاميرات، ونصبوا جزءًا منها على أسوار بارتفاع 45 مترًا، وهم يستعدون لعملية عسكرية ضدنا، ولديهم منظومة جمع معلومات منهجية وثابتة، ونحن بدورنا لا نتجاهل ذلك ونبني بنك أهداف".

وترتبط إدارة الاستخبارات بسياسة وأهداف الدولة التابعة لها، وتتفاوت الواجبات والمسؤوليات الملقاة على عاتق إدارة الاستخبارات تبعاً لمكانة الدولة وعلاقاتها بأعضاء المجتمع الدولي، وغالباً ما تهيئ الدول وقواتها المسلحة أحسن ما عندها من إمكانيات بشرية ومادية لدعم الأجهزة الاستخبارية فيها، لأنها العين المبصرة التي تلقي بأضوائها في جميع الأوقات وعلى جميع الاتجاهات على الأعداء وكذلك والأعداء المحتملين، وبنفس القدر فهي الفكر الذي يحلل المواقف المحيطة والبعيدة خيراً أم شراً، ويقدمها للمسؤولين لاتخاذ قرار ما.

وقد أخذت الاستخبارات أهمية وشمولية كبيرة لدى المقاومة الفلسطينية، وغدت مرتبطة باستراتيجية المقاومة، وشملت مهماتها تفصيلات عن النظريات العسكرية، وعن البناء الحربي للعدو وخططه الحربية، وما يطلق عليه (تنظيم القوات للمعركة) التي بدورها تشمل المعلومات العامة عن أماكن الوحدات البرية والبحرية والجوية والبيانات الفرعية كأسماء الضباط ورتبهم والإشارات المميزة للوحدات.

الخلاصة:      
مما تقدم نستطيع القول إن أعمال وأنشطة الاستخبارات، وفي ظل حالة عدم الاستقرار في المنطقة، تسعى قوى المقاومة جاهدة إلى تحديث وتطوير أجهزة الاستخبارات لديها، فلابد من توفير كل الإمكانيات اللازمة التي تسمح لها بالقيام بجميع أدوارها الشاملة وذلك في سبيل تحقيق المصالح الوطنية العليا، وهذا ما انتهجته كتائب القسام  في الفترة الأخيرة ؛ فالاستخبارات هي عينها التي تري بها مواطن الضعف والخلل في جسد العدو، كما أن هذا السبق في صراع الأدمغة ما بين المقاومة والعدو الصهيوني سيتطور مستقبلاً، والصالح فيه للمقاومة وسيساعدها في عملية الصراع المستمرة حتى إيجاد توازن في القوى، ومن ثم تفوق ولو جزئي لإحراز النصر على العدو الصهيوني.