الاحتلال وتزوير التاريخ

الأحد 10 أبريل 2016 11:42 ص بتوقيت القدس المحتلة

الاحتلال وتزوير التاريخ

التاريخ أحد أهم المجالات والحقول التي يشتد الصراع فيها بين الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ، والغزاة الجدد المهاجرين إلى فلسطين المغتصبة، وعليه ليس مستغربًا أن نشهد محاولات إسرائيلية حثيثة لتزوير التاريخ والوقائع وتجييرها لإثبات وجود وهمي للكيان الغاصب.

موقع (يديعوت أحرونوت) كشف أخيرًا أنّ السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة في نيويورك داني دانون افتتح بمقر الأمم المتحدة في نيويورك معرض صور وملصقات إسرائيلية للدعاية للكيان العبري، وتحسين صورته، يحمل عنوان: "الصهيونية: عودة شعب أصلاني"، وخلال المعرض زج أول مرة عمليًّا منذ الصراع مع الصهيونية بمصطلحات العلوم السياسية والاجتماعية، التي اجترحت في القرن الماضي لحماية الشعوب الأصلية، وتمييزها من عمليات بناء الأمة والشعوب التي تبلورت على مرّ مرحلة الاستعمار.

فبعدما كانت الصهيونية منذ تأسيسها في أواخر القرن التاسع عشر تتحدث عن الشرعية الدينية والوعد الإلهي، ولاحقًا وعد بلفور عام 1917م بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، اعتمادًا على التوراة وقصص بني إسرائيل؛ حمل المعرض الجديد بشكل لافت وبارز ملصقًا واضحًا يصف اليهود بأنهم "شعب أصلاني"، أي صاحب حق تاريخي يعود إلى وطنه.

يرمي استخدام هذا التعبير تحديدًا إلى تطعيم الخطاب والدعاية الصهيونية بمصطلحات الخطاب الليبرالي والحقوقي العالمي، لمواجهة المعتقدات المترسخة والسائدة بشأن علاقة نشوء الاحتلال الإسرائيلي بالنشاط الاستعماري الذي ميّز القرنَين التاسع عشر والعشرين من جهة، وكونه كان جزءًا من مخطط الدول الاستعمارية لإبقاء معقل لها في قلب الوطن العربي من جهة أخرى.

ويحاول الخطاب الجديد الترويج لما بلوره الاحتلال الإسرائيلي في المدة الأخيرة في ظل مواجهة حركات المقاطعة الدولية وتراجع شرعيته في صفوف أوساط واسعة من الرأي العالمي، من "خطاب حقوقي" يساند خطاب الدعاية الإسرائيلي بشأن القواسم الثقافية والحضارية المشتركة بين الكيان والغرب.

كتبت السفارة الإسرائيلية تحت ملصق بعنوان "الصهيونية: عودة شعب أصلاني": "الصهيونية هي حركة تحرير الشعب اليهودي الذي تطلع على مدار 1900 سنة إلى التغلب على القمع واستعادة حقه في تقرير المصير في وطنه الأصلي (Indigenous Homeland)، فإنه على مدار 2000 عام بعد احتلال وطنهم وقمعهم على يد الرومان تاق اليهود للعودة إلى أرض (إسرائيل)، والانضمام إلى اليهود الذين كانوا فيها أو من لم يغادروها البتة، واستعادة استقلالهم، وعام 1890م طوّر أحد مؤسسي الصهيونية السياسية المعاصرة الكاتب اليهودي النمساوي ثيودور هرتزل هذا الحلم إلى فكرة سياسية متطورة (تقدمية)، وأسس الحركة الصهيونية المعاصرة، وقاد هذا إلى إعادة تأسيس (إسرائيل) عام 1948م".

ملصقات المعرض لا تتطرق _ولو بكلمة واحدة_ إلى مصير "الشعب الأصلاني" الذي عاش في فلسطين، ولا إلى المجازر وعمليات الطرد الوحشي التي نفذتها الحركة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني بعد تدمير وطنه واحتلاله، بل يشمل المعرض لوحات من وحي التأريخ الصهيوني لفلسطين على مرّ العصور، بينها جدارية تصوّر سبي اليهود إلى روما بعد تدمير الهيكل الثاني عام 70 ميلاديًّا بعد التمرد اليهودي على الرومان، وتوجد جدارية أخرى لأسطورة انتحار المجموعات اليهودية المتطرفة في مسادا، وصور لسفن المهاجرين اليهود بعد الحرب العالمية الثانية إلى فلسطين، مع صور تظهر تل الربيع المعاصرة والقدس الحديثة.

وجاء تحت ملصق عنوانه: "القدس العاصمة الروحانية والمادية للشعب اليهودي": "إن الشعب اليهودي هو الشعب الأصلاني للقدس، وقد حافظ على وجود دائم في أرضها منذ عام 1000 قبل الميلاد، لقد كانت القدس مركز ومحور الحياة اليهودية، والمركز الديني أكثر من 3 آلاف سنة، وهي مقدسة أيضًا للمسيحيين والمسلمين"، ويحوي الملصق صورًا لقبة الصخرة وحائط البراق وأخرى لكنيسة القيامة، وصورًا لمصلين يهود قبل عهد الانتداب البريطاني _على ما يبدو_ عند حائط البراق.

أشار موقع (يديعوت أحرونوت) إلى أن الأمم المتحدة مع موافقتها على إقامة معرض الصور حذفت بل أمرت بحذف عدد من المعروضات، وهو ما عده دانون إحياءً لقرار الأمم المتحدة عام 1976م الذي صنف الصهيونية حركة عنصرية، علمًا أن الأمم المتحدة عادت وألغت قرارها هذا بعد 16 عامًا.

ولفت الموقع إلى أن قرار الحذف كان بإزالة جزء من المعروضات التي قدمتها السفارة الإسرائيلية في نيويورك على أنها "جزء من تراث الشعب اليهودي ودولة (إسرائيل)"، ونقل الموقع عن دانون قوله: "إن السفارة الإسرائيلية ستعرض وتنشر ما حذفته الأمم المتحدة في أوساط ملايين الناس في مختلف أنحاء العالم"، وأضاف: "مجرد حذف هذه المعروضات المتعلقة بالحركة الصهيونية يعد تشكيكًا في وجود (إسرائيل) وطنًا للشعب اليهودي، ولن نسمح برقابة من الأمم المتحدة ولا اعتراضها على كون القدس عاصمة (إسرائيل) الأبدية".

تبدو محاولات الاحتلال الإسرائيلي لابتلاع تاريخ فلسطين ومحوها من الخريطة مستمرة في ظل غياب التأييد العربي والإسلامي للحقوق الفلسطينية، لكن الحكومة الإسرائيلية _ومعها حفنة من علماء التاريخ_ مستمرة في تزوير التاريخ واختلاق الأكاذيب، لتذويب الحقائق ومحوها بعيدًا عن أنظار العالم، وقد نصحو يومًا فنجد المسجد الأقصى جزءًا من التراث اليهودي في القدس المحتلة، ولا ندري.