كتائب القسام ... وتحقيقها للاحتراف العسكــري

الإثنين 04 أبريل 2016 04:17 م بتوقيت القدس المحتلة

كتائب القسام ... وتحقيقها للاحتراف العسكــري
رامي أبو زبيدة

رامي أبو زبيدة

باحث بالشأن العسكري

الاحتراف موجود في جميع مجالات الحياة الإنسانية منذ قديم الأزل، فكل شخص بإمكانه أن يحترف في تخصصه مهما كان ذلك التخصص، مادام يبذل مزيداً من الجهد في تخصصه، ولا شك أن العسكري المحترف لا يختلف عن جميع تخصصات ومجالات الحياة، مثله في ذلك مثل المهندس والطبيب والرياضي وحتى المهن الحرفية، مع مراعاة مجال التخصص، وطبيعة العمل، والمكانة الاجتماعية، ولكن تتساوى هنا الاحترافية بأداء تلك المهن، أي أن كلاً منها تتطلب الدقّةَ والجودة والانضباط، ومزيداً من الاجتهاد عن غيره إذا أراد أن يكون محترفاً، إلا أن الاحتراف العسكري مختلف عن المهن المدنية، فالعسكري المحترف لا يصل إلى درجة الاحتراف إلا بعد خوض عدد من التمارين الحية، والتجارب الواقعية، إذا أتيحت له الفرصة بذلك بالمشاركة والممارسة بعين الواقع، مما يتطلب بذل جهد جسدي وذهني كبير ومضاعف قد يصل إلى درجة المخاطرة بالحياة.

إن الدراسة والتنظير قد تكون سهلة لبعض الأشخاص، فقد يبدعون في حفظ المعلومة والتطبيق بالتمارين الدراسية، ولكن على أرض الواقع قد تختلف عليهم الرؤى،  وبعد هذه المقدمة البسيطة عن مفهوم الاحتراف يتوجب عليّ أن أتطرق إلى تعريف العسكري المحترف، فهو "إنسان ذو معرفة متخصصة ومهارة بارعة في مجال مرموق من مجالات الحياة الإنسانية"، وكذلك هو "قائد متمرس في حرفة السلاح، مسؤول عن الجند والوحدات، ملتزم بالدفاع عن الأمة، ومقيد بإطار أدبي وأخلاقي شديد الصلابة"، وعرف أيضاً بأنه "ذلك الشخص الذي خضع لإعداد وتدريب خاص، ولديه المعرفة بحرفية المهنة والقدرة على تطبيقها عملياً

قد لا يختلف مراقبان على أن تطور الأداء العسكري لكتائب الشهيد عزالدين القسام آخذ في التصاعد بصورة متسارعة أربكت حسابات العدو الصهيوني، وجعلت قادة جيش الاحتلال يعدّون للألف قبل أية عملية عسكرية يُقْدِمون عليها، ومن خلال متابعتي لعمليات القسام منذ نشأتها ألحظ مهنية عالية ورؤية ثاقبة، ما يدل على وجود التخصُّص والاحتراف في كل المجالات؛ ففي الميدان العسكري أبدعت كثيرًا من أدوات المقاومة، وأدخلتها قاموس النضال الفلسطيني، مثل الصواريخ، والعمليات الاستشهادية، واقتحام "المستوطنات"، والكمائن المتحركة، وعمليات الأنفاق، الضفادع البشرية، وكذلك الاحتراف الإعلامي لدى الدائرة الإعلامية للقسام.. ، ويلاحظ المتتبع لتاريخ كتاب القسام العسكري أنها أدركت ضرورة التعلم والتدريب والاستزادة والاستفادة من الخبرات السابقة، ومحاولة البدء من حيث انتهى الآخرون؛ من أجل الوصول وتحقيق الاحتراف بشكله الصحيح، حيث الاستفادة من المواد العلمية، والتعلم من الأخطاء السابقة، وتلافي هذه الأخطاء أثناء العمل وتطبيق الاحتراف.

كذلك تستمر كتائب القسام في أعمال التدريب ليلاً ونهاراً وفي مختلف الظروف الجوية، وعلى الأراضي التي تشابه أرض المعركة الحقيقية مع ملاحقة مستويات الكفاءة المعاصرة، وما يستجد في ساحة القتال من أساليب قتال حديثة أو تطور في أسلحة القتال، وعدم السير على نمط واحد، بل إننا نلاحظ من خلال المعارك الأخيرة التي خاضتها كتائب القسام مع العدو الصهيوني أنه أنشأ قواته ودربها على تغيير الخطط، مع خلق مواقف معركة مفاجئة وغير متوقعة حتى تتعامل مع أسوأ المواقف التي يمكن أن تتعرض لها في ميدان القتال، إلى أن وصل جنود القسام إلى الاحتراف كلٌ في مجال عمله وتخصصه العسكري، كذلك زادت الخبرة والاحتراف القتالي في الميدان الحقيقي للمعركة لدى رجال المقاومة من قوتها ومناعتها، فالمقاتلون الذين خاضوا معارك شرسة شرق قطاع غزة وشماله في حرب العصف المأكول وغيرها من المعارك وواجهوا جنود العدو وجهاً لوجه عادوا بثقة أكبر، وكسروا أي حاجز نفسي كان من الممكن أن يشكل عائقاً أمام المقاتل الفلسطيني، لذلك لا نستغرب إذا استمعنا لشهادات جنود الاحتلال العائدين من المواجهات مع الكتائب من قبيل "نحن نقاتل جيشاً نظامياً عالي التدريب.. ليست هذه غزة التي تركناها قبل سنوات! " وهذا المحلل العسكري الإسرائيلي "آفي يسخاروف" يقول: "إن كتائب القسام بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة أصبحت بعيون العالم ليست مجموعة من المقاتلين الهواة أو خلايا مسلحة"، وإن جيش القسام أصبح قوة رادعة خاضت أصعب ثلاثة حروب ما كان لجيش في دولة أن يتحملها، بل إن عملية "ناحل عوز" المصورة ومشهد الجندي الإسرائيلي وهو يصرخ خوفاً أوصلت للجميع .. للعدو والصديق رسالة مفادها أن مقاتلي القسام باتوا يمتلكون من الحرفية العسكرية في أرض المعركة ما يضاهي ويتفوق على مقاتلي أكثر الدول تقدماً، فهذا الجندي الإسرائيلي الأكثر إعداداً وتسليحاً في المنطقة، يسقط أمام مقاتلي القسام مذعوراً، فقوة مقاتلي القسام تكمن في "الإنسان" وليست في السلاح أو العتاد فقط، فكتائب القسام تراهن على المقاتل وعقيدته وخبراته القتالية المتراكمة.

إن الاحتراف سواء كان في الجيش أو في مجالات الحياة الأخرى، يقوم على ثلاث خصائص هي: [الكفاءة، المسئولية، الالتزام]، وهي خصائص تميزت بها كتائب القسام عبر وحداتها المتعددة؛ فهذه وحدة الضفادع البشرية تسجل اختراقاً عسكرياً نوعياً بالهجوم من البحر على قاعدة زيكيم العسكرية لأول مرة، حيث شكل هذا المشهد تطوراً لافتاً في أداء القسام وامتلاك مقاتليه الخبرة والاحتراف الذي أربك حسابات الاحتلال، هذا ما دعا ضابط كبير في سلاح البحرية الإسرائيلية، للقول: "إن وحدات الكوماندوز البحرية التابعة لكتائب القسام ستحتل مكاناً مركزياً في أي مواجهة قادمة"، وهذه وحدة الأنفاق وخاصة الأنفاق الهجومية والتي تم تجهيزها على مدار سنوات عبر وحدة الهندسة المسؤولة عن التصنيع وحفر الأنفاق، والتي كانت كلمة السر في تدمير معنوية جيش الاحتلال وتحييد قدرته الجوية القاسية، ومنها واجه القسام وحدات النخبة من خلال عمليات التسلل خلف خطوط العدو، واقتحام القواعد العسكرية، والمواجهة مع العدو من مسافة صفر حيث أوقعوا فيهم قتلاً وأسراً لم يعهدوه، ونفذوا العديد من عمليات الاقتحامات خارج حدود قطاع غزة الحالية، كما لعبت وحدة الدروع المسؤولة عن التصدي للمدرعات والدبابات دوراً نوعياً في تفجير عدد من الآليات وقتل عدد من جنود العدو، وبرز أيضاً دور وحدة الدفاع الجوي كوحدة جديدة أربكت حركة الطيران العدواني، وأسقطت عدداً من طائرات الاستطلاع، علاوة عن طائرات أبابيل بنماذجها الثلاثة، والتي أنتجتها وحدة القوات الجوية والقدرة المعلوماتية العالية، إضافة إلى بندقية (غول) ودقتها والقنص المتكرر، كذلك وحدة الظل، وهي إحدى أبرز الوحدات في كتائب القسام والتي أنشئت قبل 10 سنوات، حيث يتم اختيار جنود هذه الوحدة وفق معايير دقيقة ويتم إخضاعهم لاختبارات عديدة ويمتاز جنودها لمهارات متنوعة وحنكة وخبرة قتالية عالية، كما أشار أبو عبيدة إلى أن المهمة الأولى لوحدة الظل هي تأمين أسرى العدو وإبقاؤهم بالمجهول، وإحباط أي محاولة لتحريرهم، ولا ننسى دائرة الإعلام العسكري إحدى أركان الحرب المعاصرة، فمن خلالها تم ضرب الجبهة الداخلية للكيان في الصميم، ومن خلالها تم كشف الجرائم التي يقترفها العدو، والبطولات التي يسطرها المجاهدون والتي اكتسبت هيبة ومصداقية عالية، ومَثّل أبو عبيدة الناطق باسم القسام أيقونة هذه الدائرة.

هذه بعضاً من وحدات القسام المختلفة... والشاهد في امتلاك هذه الوحدات وتنوع مهامها هو التخصص والاحترافية، والإجادة التامة للعمل العسكري في ميدان المعركة، وإثبات القدرة والكفاءة بالرغم من أن موازين القوى ليست متكافئة بين جيش الاحتلال وكتائب القسام، ورغم ذلك فقد سطر مجاهدو القسام إبداعاتهم في الميدان، مما شكل مَعْلماً جديداً يؤسس لمرحلة تصاعدية من الاحتراف والارتقاء بالعمل العسكري ينبئ لنا بأمل ومستقبل واعد نحو تغيير جذري في الصراع مع العدو الصهيوني، والخلاص من نير الاحتلال وطغيانه، ونيل حرية شعبنا واستقلاله.