تأثير تراكم نجاحات المقاومة على العقيدة العسكرية الإسرائيلية

الأحد 27 مارس 2016 11:26 م بتوقيت القدس المحتلة

تأثير تراكم نجاحات المقاومة على العقيدة العسكرية الإسرائيلية

تعد العقيدة العسكرية الإسرائيلية عقيدة هجومية في إطار دفاعي، اتفق عليها واضعو الاستراتيجية العسكرية منذ نشأة إسرائيل، والتزمت القيادات العسكرية بها، حيث تعتمد على ستة مبادئ أساسية؛ هي: الهجوم، وإحراز نصر حاسم، والعمل على تقليل الخسائر البشرية، والمبادرة بالضربة الأولى، والحرب الخاطفة، ونقل المعركة لأرض العدو، وفي هذا السياق سوف نتطرق إلى تلك المبادئ كل على حدة :

مبدأ الاعتماد على الهجوم : العقيدة العسكرية الإسرائيلية عقيدة دفاعية ذات طابع هجومي، والأولوية للشق الهجومي في المستوى العملياتي، ولتحقيق الشق الدفاعي استراتيجياً يعمل هذا المبدأ لتحقيق أهداف رئيسة؛ وهي: حرمان أي طرف عربي مقاوم من تحقيق أي إنجاز عسكري أو سياسي خلال الحرب، وكذلك إلحاق أقصى هزيمة بالقوات العربية من خلال معارك خاطفة، إضافة إلى إنهاء الحرب في وضع عسكريٍ وسياسيٍ أفضل مما كان في بداية المعارك، أي تحقيق نصر واضح والاستيلاء على أهداف استراتيجية جديدة .

ولقد تأثر العمل الهجومي نتيجة تزايد دور الصواريخ في المعارك الحديثة، وكان ذلك واضحاً في حروب غزة [الفرقان، حجارة السجيل، العصف المأكول] إذ كان لاستخدام المقاومة الفلسطينية للصواريخ وقذائف الهاون والصواريخ الموجهة للدبابات، واستخدام استراتيجية الأنفاق عبر عمليات العبور خلف خطوط العدو، تأثيراً كبيراً على المبدأ الهجومي الإسرائيلي، حيث قللت من فاعلية القوات الجوية الإسرائيلية، وأضرت بشكل كبير بقدرة تفوق المدرعات الإسرائيلية، وحطمت من نظرية الحدود الآمنة، وعلى الرغم من ضآلة الخسائر البشرية التي ترتبت على إطلاق الصواريخ داخل العمق الإسرائيلي، إلا أنها ضربت نظرية الأمن الإسرائيلي في عمقه، إضافة إلى عدم تردد المقاومة الفلسطينية في ضرب عمق الكيان كمدن تل أبيب وحيفا وضرب مطاراتها، مما تسبب بفقدان قوة الردع الإسرائيلي لمصداقيته، وقد أدركت قيادة الاحتلال ذلك.

النصر العسكري الحاسم : تسعى دولة الاحتلال لإحراز نصر عسكري حاسم، ينهي الحرب سريعاً، وبالنتائج المحددة التي تحقق معظم الأهداف.

ويعد هذا المفهوم الأكثر أهمية لإسرائيل، وهو الأكثر ارتباطاً كذلك بمفهومها للردع، ومع أن الحروب السابقة وبالتحديد التي خاضها الاحتلال ضد المقاومة الفلسطينية واللبنانية أوضحت أن إحراز نصر عسكري على المقاومة لن يكون حاسماً أبداً، لأنه لن يحل مشكلات إسرائيل الأمنية، كما أن إخضاع المقاومة بالقوة العسكرية غير ممكن، إلا أن السياسة العسكرية الإسرائيلية ستظل تتضمن مبدأ ضرورة إلحاق الهزيمة الساحقة بحروبها مع المقاومة كلما نشبت الحرب بين الطرفين، فأي نتيجة غير واضحة المعالم للحرب، أو التعادل مع المقاومة دون نتائج استراتيجية وعسكرية حاسمة، ستشجع المقاومة على الاستعداد للحرب بقوة أكبر ومعاودة الكرة مرة أخرى. وقد فشل العدو الاسرائيلي في حسم المعركة سريعا، وهذا ما ظهر واضحا في حرب غزة 2014 عندما لم تستعجل المقاومة في عملية التفاوض وفي توقيع التهدئة .

ضرورة تقليص الخسائر البشرية: يعد هذا المبدأ عنصراً مهماً في المفاهيم العسكرية الإسرائيلية، ولتحقيق ذلك تعتنق القيادة العسكرية فكرة بناء جيش إسرائيلي يحقق تفوقاً ساحقاً على العرب، في التسليح وأسلوب الاستخدام، وتستخدم لذلك قوة نيران كثيفة لتقليل خسائرها، ويفرض ذلك على دولة الاحتلال تبنّي عدد من المفاهيم العسكرية العملية، مثل: تقليل زمن الحرب، الهجوم المفاجئ وإحراز نصر حاسم، الاقتراب غير المباشر. ولا يعني ذلك عدم استعداد إسرائيل لتحمل بعض الخسائر، في سبيل تحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية مثل: اغتيال قيادات عسكرية ذات تأثير كبير كاغتيال القائد العسكري بالقسام أحمد الجعبري، ووقف إطلاق الصواريخ تجاه العمق الصهيوني إن تمكنت من ذلك.

لقد تأثر هذا المبدأ بعد امتلاك قوى المقاومة لوسائل قتالية ذات تأثير واصابة دقيقة، وتطوير قدراتها الصاروخية والهجومية فليس بإمكان الاحتلال في حروبه القادمة التحكم بحجم خسائره البشرية .

توجيه الضربة الأولى: عقيدة تتبناها إسرائيل منذ نشأتها وتحرص عليها دوماً (حربي 56، 67، وغزو جنوب لبنان 82، وحرب الفرقان 2008)، من منظور أن تلك الضربة تؤدي إلى تحقيق المباغتة، مما يفقد الطرف الآخر توازنه في المرحلة الافتتاحية للحرب على الأقل، كما أنها تحقق المبادرة، ويؤكد العسكريون الإسرائيليون أهمية الضربة الأولى لو أحسن تخطيطها، حيث يمكن أن تؤدي إلى الإخلال بالتوازن العسكري الذي يؤدي في النهاية إلى النصر الحاسم والسريع كما حدث في حرب 1967م .

ولقد تأثر مبدأ الضربة الاولى بقدرة المقاومة الاستخبارية وقوتها الاستطلاعية، المنتشرة بشكل يمكنها من تحديد حركة العدو، وتوقع تحركاته المستقبلية وهذا ما كان واضحاً في حرب غزة 2014 . الحرب الخاطفة : وهو مبدأ تتبنى إسرائيل من خلاله أسلوب عمليات وتكتيكات حرب الحركة السريعة، التي تستند على قواتها الجوية المتطورة وقواتها البرية، واستخدامها لدبابة الميركفا في تحقيق الاختراق في قطاعات محدودة من الجبهة، حيث يتم تركيز القوى المدرعة والميكانيكية فيها، ثم تندفع المدرعات وقواتها البرية نحو العمق العملياتي، تدعمها القوات الجوية . وتمكن عقيدة "الحرب الخاطفة" إسرائيل من الاستفادة القصوى، من ميزة العمل في الخطوط الداخلية التي فرضتها الظروف الجغرافية لموقعها المحاط بأربع دول عربية (مصر وسورية والأردن ولبنان).

أثبتت الحروب التي خاضتها المقاومة الفلسطينية واللبنانية انتهاء زمن الحرب الخاطفة والتي تعود عليها العدو، ولم يعد هناك انتصارات إسرائيلية لا سهلة ولا صعبة، والحرب الاخيرة كسرت هذا المبدأ باستمرارها أكثر من 50 يوماً متواصلة.

نقل المعركة لأرض العدو: وهو مبدأ فرضه صغر مساحة دولة الاحتلال، حيث تستخدمه إسرائيل للاستيلاء على أراضٍ جديدة في إطار تعديل حدودها إلى حدود يمكن الدفاع عنها، أو للمساومة على ما تستولي عليه من أراضٍ؛ لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية. فقد استطاعت المقاومة للمرة الاولى خلال الصراع العربي الاسرائيلي من المبادرة ونقل المعركة الى داخل اراضي العدو الصهيوني، فقد شكلت الأنفاق الهجومية ضربه قاسمه له.

الأنفاق التي تتوغل داخل الأرض المحتلة في المستوطنات والمواقع العسكرية والتي نفذت من خلالها المقاومة عمليات خلف خطوط العدو، مما شكل استراتيجية هجومية جديدة، وهذا هدم أهم المبادئ الإسرائيلية .

وبعد الحديث عن المبادئ الرئيسة للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، يمكن القول بأن هذه المبادئ تتصف بأنها ثابتة في جوهرها، صهيونية بطبيعتها، عدوانية بوسائلها، استعمارية توسعية في غاياتها؛ لذا فإن ما يطرأ عليها من تغييرات لا يعدو أن يكون تطويراً في الأسلوب يحقق لها القدرة على مواجهة مطالب مرحلة من المراحل، لكننا نريد في هذه المقالة أن نسلط الضوء على تأثير تراكم نجاحات المقاومة على مبادئ العقيدة العسكرية للاحتلال، ودورها في طبيعة المواجهة الوجودية مع العدو الصهيوني على مدى السنوات المقبلة.

ومن الجدير ذكره أنه بعد كل مواجهة مع الاحتلال ترتقي المقاومة الفلسطينية وتتطور، حيث تكون قد استوعبت الدروس الماضية، لذلك عمدت إلى تغيير تكتيكاتها في المواجهة، من خلال: [شبكة أنفاق متطورة، قوى مقاتلة مقسمة إلى مجموعات صغيرة خضعت لتدريبات خاصة، إدخال وتصنيع نوعيات متطورة من الأسلحة، صراع أدمغة واستخباري أتقنته بتميز، تعزيز قدرة الصمود على المستوى الشعبي]، وهذا ما يعترف به الخبراء الإسرائيليون أنفسهم ولو على مضض!

وبالحديث عن حرب غزة 2014م التي "بدأت" بعد اختطاف ثلاثة مستوطنين بالضفة الغربية، وتصاعد الهجمة الشرسة ضد الشعب الفلسطيني، ما أفقدها عملياً عنصر المبادرة والمباغتة. وهي لم تستطع وقف المعارك الطاحنة بعد مضي 51 يوماً إلا بـ"التوافق"، لقد باتت كل المدن الإسرائيلية تحت مرمى صواريخ المقاومة.

وذكرت الإحصائيات الصهيونية يومها أن أكثر من نصف عدد سكان الدولة العبرية نزحوا بشكل أو بآخر من جراء ضربات المقاومة، كما لم تستطع القوات البرية نقل المعركة داخل حدود القطاع، حيث تصدت لها المقاومة بعمليات وكمائن مخططة بشكل أفقدها القدرة على التمركز والتموضع في أماكن ثابتة. كما لم تستطع الآلة العسكرية الإسرائيلية أن تؤمّن "الحماية" للجبهة الداخلية على الصعيدين البشري والاقتصادي، في وقت كان الجنود أنفسهم يدفعون ثمناً باهظاً في المواجهة المباشرة مع رجال المقاومة الذين أثبتوا قدرات قتالية وتكتيكية واستراتيجية في مقابل "الجندي الذي لا يُقهر"!، وعلى الرغم من التدمير الوحشي المنهجي للبنى التحتية، والمجازر المتنقلة بحق المدنيين، فإن البيئة الشعبية الحاضنة للمقاومة ازدادت تماسكاً والتفافاً حول نهج المقاومة.

وعندما وصلت المغامرة الإسرائيلية إلى الحائط المسدود، كان من الطبيعي ألا تأتي صيغ التهدئة وفق ما كان يخطط له القادة الصهاينة، حيث استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تفشل مبادئ العقيدة العسكرية الإسرائيلية وتثبت جدارتها على الأرض، لقد أدى تراكم نجاحات المقاومة واكتسابها الخبرة والإمكانات إلى تغيير قواعد المواجهة من خلال: جعل ميدان العدو الأمني والاستراتيجي ساحة قتال، وإطالة أمدها الأمر الذي يستنزف قوات العدو في أرض المعركة، وعدم قدرة مجتمعه الداخلي على الصمود والثبات، وجعل الأرض “المحروقة” مصيدة لجيش العدو، والاستفادة من العوامل الطبيعية والناشئة لاستدراج العدو وإيقاعه في الكمائن والمصائد، وفشله في تقييم قوة وأداء المقاومة بحسب المعلن، فقد عانت الاستخبارات الإسرائيلية نقصاً في المعلومات والمعطيات الخاصة بالمقاومة، وبالتالي تعرضت أولى مبادئ قيادة العمليات لخلل فاضح، إذ إن أساسيات العلم العسكري تفترض معرفة مسبقة بالبيئة العملياتية وبطبيعة العدو. وبناءً على ذلك فقد تجلت عناصر مهمة في أداء المقاومة لإرباك جيش العدو، وإحداث الاضطراب المطلوب لدى قياداته، ومن هذه العناصر إحداث الرعب لديه، فما قامت به المقاومة إنما هو إرساء لمعالم مرحلة جديدة على طريق المواجهة مع الكيان الصهيوني. من هنا نستطيع التأكيد بأن المقاومة الفلسطينية الواعية المدروسة ستنقل الوضع الفلسطيني كله نقلة واضحة نحو التحرير والخلاص من الاحتلال، فنحن أمام تاريخ بدأ رحلته ضد التيار، ونحن أمام إفشال لقواعد العدو العسكرية واحدة تلو الأخرى، وكما قيل فإن العدو لن يسقط بالضربة القاضية، بل من تراكم تسجيل النقاط عبر سلسلة من محاولات المقاومة، وما تعده المقاومة اليوم من جهد كبير يبرهنه الواقع على الأرض، وإن تصاعد عمليات المقاومة الشعبية في الضفة الغربية يقول للعدو أن لا فرصة له للوقوف أمام حركة التاريخ، وسيكون للفعل المقاوم، والسياسي الفلسطيني المقاوم دور رئيس في الارتقاء بالعمل من أجل القضية الفلسطينية المقدسة.

المراجع ليفرن,ا.(2001): أفول قدرة الردع الإسرائيلية, ترجمة سعيد عياش, المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية, رام الله. رودمان, د.( 2001): "النظرية الأمنية الإسرائيلية", مجلة مركز التخطيط الفلسطيني, العدد الثالث والرابع, يوليو- ديسمبر. آلون,إ، وآخرون(1983): تطور العقيدة العسكرية الإسرائيلية خلال 35 عاماً, إعداد سمير الجبور, مؤسسة الدراسات الفلسطينية, قبرص. كتاب صناعة القرار الإسرائيلي، الآليات والعناصر المؤثرة ، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. هيثم كيلاني: المذهب العسكري الإسرائيلي، بيروت 1969. موقع موسوعة المقاتل .