الكيان العبري رصاصٌ وقصاصٌ

الأحد 27 مارس 2016 11:02 ص بتوقيت القدس المحتلة

الكيان العبري رصاصٌ وقصاصٌ
د. فايز ابو شمالة

د. فايز ابو شمالة

كاتب ومحلل سياسي، مهتم بالشأن الفلسطيني، وملم بالوضع الإسرائيلي.

من ظن أن الكيان العبري لديه مجتمع مدني تنطبق عليه قوانين المجتمعات المدنية فقد وقع في الضلال، لأن الكيان مجموعة من الممارسات التخريبية المستندة إلى مجموعة الأفكار التخريفية، التي يبثها حاخامات اليهود في أساسات المجتمع الإسرائيلي، حتى صارت تلك الأفكار بقرة مقدسة، يتسابق إليها السياسيون، طمعًا في حليبها، فراحوا يجمعونه في آنية حديثة، ويعيدون تعبئته، وتغليفه بأكياس مزركشة، ويقدمونه للمستهلك الغربي على أنه وجبات من حرية الرأي، وسيادة القانون، والديمقراطية الكاملة الإنسانية، والخالية من دهون التطرف الديني.

لقد تجاوزت أفكار حاخامات اليهود التخريفية ما أسس عليه الجيش الإسرائيلي من إرهاب وعنصرية، وتجاوزت تعليمات الحاخامات مدرسة اليد الخفيفة على الزناد، التي ميزت جند الصهاينة، حتى نخر الإرهاب الفكري اليهودي مفاصل الجنود الصهاينة، فصاروا يقتلون الجريح والأسير والمريض والطفل العربي أمام وسائل الإعلام بلا وجل وبلا تردد، ويتفاخر أقران القاتل بالمشاهد التي تعرض رصاصهم الخارق للرأس العربي.

ضمن الصورة الكلية لمجتمع الصهاينة الذي سيطر عليه الإرهاب الديني اليهودي يجيء مشهد القتل الجبان الذي نفذه جندي يهودي إرهابي بحق الشاب العربي الجريح عبد الفتاح الشريف، وضمن الصورة الكلية لمجتمع الصهاينة يجيء عرس الدم اليهودي، والرقص مع صورة الطفل الحريق علي دوابشة، في تجاوب مذهل مع فتوى حاخامات اليهود إتسحق التسور، وإتسحق شابيرا، اللذين أفتيا في كتاب "توراة المَلَك" بوجوب قتل المدنيين، إذا دعت الضرورة لذلك.

ولم يكن التنافس في إصدار الفتاوى الدينية المتطرفة هو سبب الفتوى التي أصدرها الحاخام الشرقي إتسحق بن يوسف، حين قال في منتصف شهر مارس: "الشريعة اليهودية تجيز قتل كل إرهابي عربي يحمل سكينًا، بل العقيدة اليهودية ترى قتله فريضة"، هذا التصريح الديني بالقتل لمجرد الاشتباه هو صلب العقيدة اليهودية، التي آمن بها السياسيون الإسرائيليون، ومنهم وزير المواصلات إسرائيل كاتس الذي قال: "العربي الذي ينفذ عمل ضد اليهود يجب أن يموت فورًا"، وهذا ما ذهب إليه رئيس لجنة الخارجية والأمن في البرلمان الإسرائيلي تساحي هنجبي الذي قال في حديث إلى الإذاعة العبرية بتاريخ 20/2 من هذا العام: "يجب على كل جندي إسرائيلي وكل شرطي وكل مستوطن أن يطلق النار فورًا على أي مهاجم فلسطيني، وأن يشل حركته، بل يقتله، يجب عليكم عدم التردد في إطلاق النار، والقتل".

فأين هي ردة الفعل العربية؟!، أو _بمعنى أدق_: أين هي ردة الفعل الفلسطينية التي تناظر الفعل الإرهابي اليهودي؟!، وهل اكتفي بالبيان الصحفي الذي أصدره وزير الصحة في حكومة الحمد لله، واتهم فيه الاحتلال بخرق اتفاقية جنيف؟!، وهل يكفي أن يخرج علينا الدكتور صائب عريقات بعد ذلك ليقول: "وثقنا الجريمة، وسنقدم الملف إلى محكمة الجنايات الدولية"؟!

إن ردة الفعل الفلسطينية هي التي ترسم معالم الفعل الإرهابي الإسرائيلي، فلو أدرك الصهاينة أن ردة فعل السلطة الفلسطينية على جريمة قتل الوزير زياد أبو عين ستكون قوية وقاسية وجدية حتى إيلام الصهاينة؛ لما أقدم المستوطنون على إحراق عائلة دوابشة، ولو كانت ردة فعل السلطة الفلسطينية على إحراق عائلة دوابشة عنيفة وحارقة لقلب المستوطنين؛ لما تجرأ الإرهابيون اليهود على قتل الشاب الجريح عبد الوهاب الشريف، وغيره من المدنيين.

لقد تتبعت الإعلام الإسرائيلي على مدي يومين، واستمعت إلى المناقشة الداخلية بخصوص حادث تصفية الشاب الجريح عبد الوهاب الشريف، وأدركت أن إدانة الجريمة ترمي إلى التخفيف من وقعها على المجتمع الدولي، فكان التذرع بسجن الجندي الإرهابي، وتقديمه إلى المحاكمة خطوة استباقية لأية ردة فعل دولية، وقد لفت انتباهي تخوف بعض المعلقين الإسرائيليين الذين توقعوا غضبًا فلسطينيًا مجلجلًا، فجاء جواب السياسيين مطمئنًا للجمهور، وأكدوا لهم أن السلطة الفلسطينية لن تسمح بذلك، وأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لا تزال قادرة على ضبط الأوضاع، والحيلولة دون أي غضب فلسطيني، أو أي عمل يخل بأمن المستوطنين.

انتهى المقال، وظل السؤال: إلى متى هذا الصمت عن ممارسات السلطة التي قلعت مخالب المقاومة، وكسرت أسنان المقاومين، وتركت الشعب الفلسطيني فريسة، ينتظر نيران الإرهاب اليهودي القادم؟!