المحرَّرون تحت مجهر القَتَلة

السبت 05 مارس 2016 11:01 ص بتوقيت القدس المحتلة

المحرَّرون تحت مجهر القَتَلة
أحلام التميمي

أحلام التميمي

أسيرة محررة

تخوفاتٌ كبيرة تسكن أَنفس المحررين في صفقة وفاء الأحرار، وتفاهمات السلطة بعد اغتيال كل من المحرر في صفقة تفاهمات السلطة أيمن جرادات بعد قضاء 23 عاما في السجون الصهيونية ، واغتيال المطارد عمر النايف في بلغاريا بعد مرور أكثر من 25 عاما على هروبه من السجون الصهيونية إلى بلغاريا.

قضيتان تفتحان أبواب الخوف من المجهول الذي ينتظر المحررين ، في وقت ما زال الجاني في كلا القضيتين يأكل أشهى الأطباق في المطاعم ويرتاد المقاهي ، بينما تلوك فيه زوجة جرادات الحسرة وتعتصر فيه أم النايف الألم.

اغتيال المحرر في صفقة تفاهمات السلطة مع الكيان الصهيوني بيد من يقال إنه أحد أفراد عائلة فلسطيني قُتل على يد جرادات قبل أكثر من 25 عاما ، يفتح من جديد باب الثأر دون وجود رقيب ولا حسيب في وطن يفترض أن الجهاز القضائي فيه له كلمته ، ولكن ما جرى هو تنفيذ جريمة قتل في وضح النهار والشمس في كبدِ السماء بواسطة 15 رصاصة تمركزت في رأس جرادات ليُقتل ويترك خلفه طفلة وزوجة ، ثم يلوذ الجاني بالفرار إلى مناطق الداخل المحتل كما يتداول الأمر سكان منطقة جنين التي ينتمي إلها الشهيد جرادات.

آلاف العملاء تمت تصفيتهم إبان الانتفاضة الأولى على يد رجال الفصائل من بينهم الفهد الأسود التابع لحركة فتح، في وقت راج فيه التخابر والتعاون مع المحتل من قِبل ضعفاء النفوس ، الذين يُجمع الكل الفلسطيني دون استثناء على جاسوسيتهم.

الانتفاضة الأولى التي كان الاعتماد الكلي فيها على رجال الفصائل ولم تكن سلطة حاكمة أو جهة متنفذة غير الكل الفصائلي الذي كان بمثابة الجهاز القضائي حينها.

ولكن, مع مرور الزمن وبعد دخول السلطة ووجود أجهزة دولة كاملة أخذت على عاتقها جانب المحاسبة لماذا يقتل جرادات بدم بارد وهو يحمل رتبة عميد في أجهزة السلطة ، هذه الرتبة التي يفترض أن توفر له حراسة أمنية خاصة؟ وكيف يلوذ الجاني بالفرار إلى مناطق الداخل ولا يتم تسليمه لأجهزة السلطة الوطنية التي تربطها بالصهاينة اتفاقية تنسيق أمني ؟؟ وكيف تصمت أجهزة السلطة على اتصالات التهديد التي تلقاها جرادات بداية تحرره من الجاني ؟؟ الجواب هو: الاستهتار بحياة المحررين!! وكأنهم يوما لم يضحوا لأجل الوطن الذي تسلق على أكتافهِ المتنفذون ، وجلس على كراسي مناصبه المتخاذلون.

لا يختلف الأمر كثيراً مع حادثة اغتيال عمر النايف في بلغاريا والتي نُفِّذت في اليوم الثاني للقاء رئيس الوزراء البلغاري "بوريسوف" مع الرئيس أبي مازن ونتنياهو ، الأمر الذي يشكك باتخاذ قرار رئاسي على مستوى الثلاث جهات الإسرائيلية والبرتغالية والفلسطينية من أجل اغتيال النايف  ولكن لماذا، ؟؟

1_لأن النايف بات يشكل مشكلة أمام العلاقات الصهيونية البرتغالية والتي تربطها اتفاقية تنسيق أمني مشتركة ولا يمكن للجانب الصهيوني تقبّل فكرة هروب النايف قبل 25 عاما من السجون دون أن يقضي حكمهُ المؤبد, فهروبه يعني انتصاره, وهذا ما لا يريدونه.

2_ لأن النايف لجأ إلى السفارة الفلسطينية في بلغاريا معتقداً أنها المكان الآمن ، مُوكلاً الرئيس أبا مازن والسفير أحمد المذبوح مهمة إيجاد حل جذري لقضيتهِ وإغلاق ملفهِ عند الجانب الصهيوني على اعتبار أنه مواطن صالح في الأراضي البلغارية وتاجر ساهم في اقتصادها وعلى اعتبار أن وجودهُ لأكثر من ربع قرن خارج فلسطين بمثابة حكم إبعاد. وحسب القانون، فإن القضية تنتهي بالتقادم ، ولكن هذه المهمة أحرجتهم.

3_ لأن النايف استطاع خلال وجوده في السفارة كشف مخالفات ترتكبها السفارة بحق القادمين الفلسطينيين من طلبةٍ وزائرين وأصحاب أعمال إلى بلغاريا عبر تقديم معلومات عنهم لأجهزة مخابرات الصهاينة الأمر الذي جعلهُ غير مرغوب في السفارة.

4_ ما بين مطرقة بلغاريا وسندان السفارة الفلسطينية يُغتال عمر النايف بهدوء على يد جانٍ مدرب على أيدٍ صهيونية بلغارية فلسطينية ، ليدخل السفارة بمفاتحها ومن بابها ، فلا حراسة أمنية تمنع ولا كاميرات رقابة توثق.

كل هذا السيناريو مع النايف يدفعنا للتساؤل: ما هي مهمة السفارات الفلسطينية في الدول ؟ لماذا لم يجمّد عمل السفير المذبوح وطاقم السفارة في بلغاريا إلى حين إكمال التحقيقات ؟ لماذا لا توجد حراسة أمنية وكاميرات مراقبة في المكان؟ أم أنها كانت موجودة بالأصل وتمت إزالتها من أجل تسهيل المهمة ؟ لماذا تُرِكَ النايف في السفارة معتصماً وحيداً دون السماح لأحد من أفراد عائلته بالبقاء معه أو أن يُخصّص له حارس أمني لحمايته ؟؟ الجواب هو: الاستهتار بحياة المحررين !! قضيتا جردات والنايف تضعان كل محرر أينما كان تحت مجهر القَتَلة، سواء المنتقمون بالثأر أو مجهر اغتيالات الصهاينة ، ولربما تَستَدرجُ أجهزة مخابرات الصهاينة أبناء وإخوة من قُتلوا في الانتفاضة الأولى على يد رجال الفصائل وتدفعهم للثأر من المحررين الذين غالبيتهم شاركوا بقتل عملاء في الانتفاضة الأولى متجاوزة السلطة وأجهزتها وقضاءها الذي يجب أن يَلجأ إليه كل من يرى نفسه على حق لمحاسبة من بنظره ليسَ على حق.

بين جرادات والنايف آلاف المحررين في الوطن وخارجه يعيشون حالة قلقٍ على مستقبلهم في ظلِّ اتهامات الكيان الصهيوني لعدد منهم في الخارج بمسؤوليتهم عن عدةِ عمليات في الوطن وفي ظل نبشِ ملفِ العملاء بعد ثأر أحد عائلاتهم من جرادات.

حالة قلقٍ يعيشونها في ظل ساحات مفتوحة لقوَّات "الموساد الصهيونية" وأجهزةِ مخابراتٍ عربية وفلسطينية متعاونة معها في وقت لم يصل فيه عمر عصفور الحرية في نفس كلِّ محرر عن الأربع سنوات.

وكيف للمحررين أن يطمئنوا وكل ملفات الاغتيالات بدءا من خليل الوزير إلى غسان كنفاني إلى محمود المبحوح وصولاً إلى جرادات وعمر النايف طُويَت تحت عنوان "مجهول"