تأثير تقليص المساعدات الخارجية على مستقبل السلطة الفلسطينيّة

الجمعة 04 مارس 2016 01:36 ص بتوقيت القدس المحتلة

تأثير تقليص المساعدات الخارجية على مستقبل السلطة الفلسطينيّة

مع إنشاء السلطة الفلسطينيّة في عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو لعام 1993، تعهّد المجتمع الدوليّ بتوفير الدعم الماليّ والاقتصاديّ لها بما وصلت قيمته منذ إنشائها حتى اليوم 17 مليار دولار، وتوجّه معظمه إلى دعم موازنة الحكومة الفلسطينيّة، الموجّهة أساساً إلى توفير رواتب موظّفيها الذين يزيد عددهم عن 180 ألفاً حتى اليوم بعد أكثر من عشرين عاما على تأسيس السلطة الفلسطينية.

  لكنّ الحكومة الفلسطينية أعلنت في 16 شباط/فبراير أنّها حصلت عام 2015 على نصف مساعدات الدول المانحة، وأنّ هناك تراجعاً حادّاً في المساعدات الخارجيّة، التي تشكّل 37% من الموازنة العامّة، وأنها لم تتلقّ سوى 685 مليون دولار من أصل 1.2 مليارات دولار تعهّدت بها الجهّات المانحة، كما أن الدعم الخارجي للموازنة شهد استمرارا في الانخفاض، حيث كان معدله بين 2007-2012 بحدود 1.2 مليار دولار، وانخفض 200 مليونا بين 2013-2014، ثم شهد انخفاضا حادا في 2015 ليصل 750 مليون دولار.

  لا يبدو أن السلطة الفلسطينية تواجه قراراً دوليّاً بالقطع التامّ النهائيّ للمساعدات، لكن هناك وقفاً تدريجيّاً، عبر لجوء الدول المانحة كلّ عام إلى تقليص نسبة معيّنة من دعمها، فمساعدات الولايات المتّحدة الأميركيّة تراجعت من 400 مليون دولار سنويّاً إلى ما يقارب الصفر، والدول العربيّة مجتمعة كانت تدفع 500 مليون دولار سنويّاً، وقد تراجعت إلى 150 مليون فقط، والاتّحاد الأوروبي كان يدفع بين الـ500 والـ600 مليون يورو سنويّاً، وتراجع إلى 300 مليون يورو، الجدير بالذكر أن هذه أرقام تقريبية وليست دقيقة بالضبط، لأنها تتغير في كل سنة، وحسب إمكانيات كل دولة، وبالتالي قد يزيد أو ينقص عن المبلغ المحدد أعلاه 1.2 بليون دولار.  

كما أنّ الدعم الخارجيّ للسلطة الفلسطينيّة شهد انخفاضاً حادّاً في العام الماضي 2015، وتقلّص إلى 750 مليون دولار، فالسعوديّة أكثر الدول العربيّة التزاماً، وقدّمت 241.6 ملايين دولار، تليها الجزائر بقيمة 52.8 ملايين دولار، ولم تقدّم الإمارات العربيّة المتّحدة وقطر والولايات المتّحدة والبنك الدوليّ أيّ دولار لموازنة 2015.

ما تعانيه السلطة الفلسطينيّة من أزمة ماليّة نتيجة تراجع الدعم الدوليّ ليس جديداً، بل هي مسألة مستديمة منذ إنشائها، لأنّها تعتمد في صورة شبه كليّة على المساعدات الخارجيّة، وتظهر حالة العجز الدائمة في الموازنة منذ 15 عاماً، لكنّ التراجع هذه المرّة مرتبط بالمواجهة القائمة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، وانسداد الأفق السياسيّ بينهما، ممّا يتسبّب بأزمة خانقة من تراجع حجم السيولة الماليّة لدى السلطة، فتصبح الشكوى قائمة، علماً أنّ الاتّحاد الأوروبيّ هو المموّل الأكبر منذ سنوات طويلة، ويدفع 45% من المساعدات الماليّة المنتظمة.  

ربّما تعلم السلطة الفلسطينيّة جيّداً أنّ المساعدات الدوليّة ليست مجّانيّة، بل مرهونة باستمرار عمليّة السلام بينها وبين إسرائيل، حتّى يمكن إقناع دافعي الضرائب الأوروبيّين باستمرار تحويل المساعدات إلى الفلسطينيّين، ولذلك ربّما لا نشهد استمراراً منتظماً لهذه المساعدات في حال توقّفت عمليّة السلام.  

الاتّحاد الأوروبيّ قد لا يواصل منح السلطة الفلسطينيّة المساعدات الماليّة في ظلّ تأزّم الوضع السياسيّ بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، وعدم وجود عمليّة سياسيّة تفاوضيّة بينهما، لأنّ الاتّحاد الأوروبيّ لن يدفع أموالاً مجّانيّة من دون وجود عمليّة سلام تحقّق الاستقرار السياسيّ والأمنيّ في الأراضي الفلسطينيّة، وهو الأساس الذي قامت عليه المساعدات الأوروبيّة منذ تأسيس السلطة الفلسطينيّة. وفيما أعلن البنك الدوليّ أنّ الوضع الماليّ للسلطة الفلسطينيّة صعب، والانتعاش الاقتصاديّ بطيء نتيجة تراجع مساعدات المانحين بـ60%، بسبب غياب التقدّم في محادثات السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، أعلن صندوق النقد الدوليّ في اليوم ذاته أنّ الدعم الخارجيّ للسلطة الفلسطينيّة تراجع من 2.7 مليارات دولار في عام 2008، إلى 800 مليون دولار خلال عام 2015.

  كما أن الاتّحاد الأوروبيّ لم تعد لديه رغبة في استمرار دفع رواتب موظّفي السلطة الفلسطينيّة في غزّة وعددهم 70 ألفاً، ولا يداومون في مقار أعمالهم منذ عام 2007، بناء على تعليمات السلطة الفلسطينيّة، بالتزامن مع تراجع عامّ في حجم المساعدات الماليّة المقدّمة لها، لاسيّما من دول أوروبيّة مثل بلجيكا وهولّندا، في ظلّ التطوّرات الطارئة على الاتّحاد الأوروبيّ المتعلّقة بالضغوط الماليّة التي يعانيها، عقب توافد مئات آلاف اللاجئين من سوريا والعراق في الأشهر الأخيرة إليه، وتعهّد كلّ دولة بتقديم من 20 إلى 25 يورو إلى كلّ لاجئ.  

أخيراً.. في ظلّ انسداد الأفق السياسيّ بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإنّ ذلك قد يطرح أسئلة صعبة على صانع القرار الدوليّ في كيفيّة إقناع دافع الضرائب في بلادهم باستمرار تمويل السلطة الفلسطينيّة، وهو ما قد يعني تدريجيّاً عجزها عن القيام بمهامها ووظائفها المعيشيّة والإداريّة للفلسطينيّين، والعد التنازليّ لانهيارها.