حتى لا يفترسنا غول الزمان

الجمعة 26 فبراير 2016 06:55 ص بتوقيت القدس المحتلة

حتى لا يفترسنا غول الزمان

برز التعليم كأحد أهم الأسلحة التي امتلكها الفلسطينيون لمواجهة ما حل بهم بعد النكبة والنكسة، وتعتبر معدلات الالتحاق بمؤسسات التعليم في فلسطين من الأعلى بالمقاييس الإقليمية والدولية. إلا أن الحقائق الصادمة تشير اليوم إلى تراجع الاهتمام بالتعليم، وبدل الحفاظ على هذا الكنز عند قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994، انحدر مستوى التعليم لعدة أسباب لعل من أبرزها طريقة تعامل السلطة بحكومتها وأجهزتها الأمنية مع إضراب المعلمين في الضفة ردا على مطالبتهم بحقوقهم.  

في زمن السلطة وحكوماتها ارتفع شأن المؤسسة الأمنية، واستحوذت الأجهزة الأمنية على نحو 30% من ميزانيتها، التي تعتمد على التسول والمساعدات وأموال المانحين ورسخت مكانة وثقافة الرتب العسكرية...عقداء وعمداء وأولوية، التي تتجاوز رواتبها وامتيازاتها الوظائف المدنية ومنها التعليم والمعلمين والعلماء.

  في المقابل تخفت حماسة العائلة الفلسطينية نحو التعليم مقارنة مع مكانته لدى أبائنا وأجدادنا.  

ويكفي أن نلاحظ مثالا على ذلك النقاش والنقد الذي يأخذ مساحة واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي اتجاه رفض وزارة التربية والتعليم تعليق الدراسة في أيام المنخفضات الجوية، بينما نسي أولياء الأمور حجم المعاناة التي كان يتكبدها الطالب قبل عقود من الزمان، ويتذكر ذاك الجيل كيف كان الطلاب يقطعون مسافات مشيا على الأقدام من مخيم البريج والمغازي للوصول إلى ثانوية دير البلح وسط القطاع، ومغامرات طلاب منطقة المواصي غرب خان يونس في طريقهم لمدراسهم وسط المدينة، ربما يتذكرون أيضا حقائب القماش من أكياس تموين الوكالة، ووسيلة النقل الوحيدة "الشبشب" سواء في الصيف أو الشتاء، بينما تغطي سقوف فصولهم الواح القرميد والزينكو، ورغم ذلك أنجبت فلسطين قادة وعلماء.  

عندما قررت تركيا أن تدخل نادي الكبار وتنطلق في نهضتها الاقتصادية كان أبرز خطواتها الاهتمام بالتعليم فرفعت رواتب المعلمين ومنحتهم الكثير من الامتيازات، وأعطي المعلم راتب يوازي راتب الطبيب، وفاقت ميزانية التعليم والصحة ميزانية الدفاع.  

لقد بذل الطلاب الفلسطينيون وذووهم المستحيل خلال عقود مضت من أجل الحصول على قبول في الجامعات، وقد وصل الطلاب الفلسطينيون إلى جامعات آسيوية من بنغلادش مرورا بالهند حتى فيتنام. ونتيجة لهذا، حقق الفلسطينيون على مدار ستين عاما أعلى نسبة من المتعلمين في العالم العربي، والتي تعتبر في ذات الوقت من أعلى النسب في العالم.

  إن السلطة التي تنفق أموالها على أجهزتها الأمنية والعسكرية تحمي نفسها من الشعب، أما تلك التي تنفقها على التعليم فإنها تخدم الشعب وتحميه من غول الزمان.