العربدة في رام الله والعقاب لغزة

الإثنين 14 يناير 2019 03:32 م بتوقيت القدس المحتلة

العربدة في رام الله والعقاب لغزة

الكاتب رضوان الأخرس

يكاد يصبح مشهد تجول الجيبات والمدرعات «الإسرائيلية» مشهداً مألوفاً في رام الله وفي مركزها، حيث تجمع الوزارات والمؤسسات الحكومية الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية.

إلا أن صورة لأحد الجنود الإسرائيليين تصدرت صفحات «فيس بوك» الفلسطينية خلال الأيام الماضية، وهو بالقرب من حائط مبنى مجلس الوزراء الفلسطيني في رام الله، ولا أحبّذ الخوض في مضمون هذه الصورة التي شكّلت إهانة لهذه المؤسسات و"هيبتها".

نعود بالتاريخ قليلاً إلى الوراء، عندما كان مجرد اقتحام المدن الفلسطينية ومراكزها حدثاً استثنائيًّا يستوجب التصدي له سواء من الفصائل الفلسطينية، أو حتى أجهزة السلطة الرسمية، ولا ننسى في هذا المقام الإشارة إلى أمثال القائد أبو جندل، أحد قادة الأجهزة الأمنية استشهد أثناء تصديه لاقتحام الاحتلال مخيم جنين في الضفة الغربية المحتلة.

حدثت حالة كي وعي غير عادية خلال السنوات العشر الماضية في الضفة المحتلة، تبناها محمود عباس وفريقه السياسي بمساعدة برامج ممولة خارجيا، تم توجيه الجزء الأكبر منها نحو إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية بالضفة، بفكر وتوجيهات تعكس الرؤية التي يتبناها عباس، فيما يتعلق بالتنسيق الأمني ومحاربة المجموعات العسكرية التي تتبع للمقاومة أو العشوائية، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في تراجع عمليات المقاومة والعمليات الفدائية المسلحة بالضفة، وهذا إنجاز يتفاخر به عباس.

بينما يدوس الاحتلال بمدرعاته «سيادة» السلطة في معاقلها بالضفة، يستمر محمود عباس في «التنسيق» مع الاحتلال ويتجه في المقابل إلى فرض مزيد من العقوبات التعسفية على غزة، ومن ذلك استمراره في سياسة قطع رواتب والخصم منها ووقف تزويد الوزارات بما يلزمها، وسحبه للموظفين التابعين للسلطة من معبر رفح، الأمر الذي أثّر على انتظام عملية السفر فيه، وما إلى ذلك من إجراءات يهدد أقطاب السلطة بمزيد منها.

هذا الأمر يضع المساعي المصرية نحو تحقيق مصالحة على المحك، وأيضاً يضعها أمام اختبار لمعرفة مدى جديتها، وقدرتها على ترتيب أوضاع البيت الفلسطيني، أو أنها مجرد حلقة من حلقات كسب الوقت وإشغال أطراف صنع القرار في مداولات لا نهاية لها.

خصوصاً وأن عباس وفريقه ماضون في اتخاذ مزيد من الخطوات التصعيدية تجاه غزة «ولا أقول تجاه حماس»، لأن المتضرر منها جميع أفراد الشعب الفلسطيني بالقطاع، والتي كان من بينها مؤخراً حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني.

كما ويدور الحديث عن تشكيل حكومة من «فصائل منظمة التحرير»، بما يعزز الانفصال والانقسام، وفي محاولة لتجاوز الدور التجميعي الذي لعبته «حماس» مؤخراً في غزة مع الفصائل، ونتج عنه حالة عالية من التناغم ظهرت خلال إدارة الفعاليات الميدانية في حراك مسيرات العودة وكسر الحصار، وفي آليات وطبيعة الرد العسكري لفصائل المقاومة على العدوان، وفي المواقف المتقاربة من القضايا المختلفة، وهو ما يراه فريق عباس سحباً للبساط من تحت أقدامهم.

الاحتلال غير بعيد عن المشهد، بل هو في قلبه وجميع التباينات مبنية في الأساس على وجوده، وهو العامل الرئيسي في حالة الخنق والضغط المأساوية التي يعيشها القطاع، عبر الحصار وسياساته العدوانية، التي كان من آخرها وقف إدخال المنحة القطرية إلى قطاع غزة.

يحاول نتنياهو أن يحقق مزيداً من النقاط بهذه الخطوة قبيل الانتخابات الإسرائيلية، ويخشى في الوقت ذاته من التصعيد الذي قد يجعله وحزبه في مهب الريح إن فشل في التعاطي معه، فذهب للضغط على غزة ومحاولة إخضاعها بتشديد الحصار، وابتزازها مقابل الهدوء، وقد كانت الرسائل الأخيرة عبر الوسيط المصري واضحة في هذا الشأن.

إلا أن النظرة العامة لجميع المعطيات تعطي انطباعاً بأن غزة تتعرض لعدوان متعدد الأوجه من عدة أطراف، تتلاقى جميعاً في غاية كسرها وإخضاعها، وإن اختلفت مبرراتها المعلنة، لكنها مقامرة خطرة والقلق الأكبر يكون من نصيب الاحتلال.