حلّ المجلس التشريعي.. معركة السلطة مع أي عدوّ؟!

الخميس 27 ديسمبر 2018 03:54 م بتوقيت القدس المحتلة

حلّ المجلس التشريعي.. معركة السلطة مع أي عدوّ؟!

دون تقليل من أهمية المناقشة القانونية شكلًا ومضمونًا لما نقله الرئيس محمود عبّاس عن حلّ المحكمة الدستورية للمجلس التشريعي الفلسطيني، فضلاً عن أهمية مناقشة قانونية المحكمة نفسها.. فإنّ الخطوة نفسها، التي طالما هدّدت بها قيادةُ السلطة قيادةَ حماس، تأكيد لما ينبغي أن يكون قد بات مؤكدًا منذ زمن حول توجهات السلطة ومعاركها الجدّية.

الحقيقة أن لا أحدّ من صنّاع القرار سوف يحرجه - فضلاً عن أن يردعه- الحجاج القانوني، هذا بالإضافة للحالة السائلة من تجاوز القانون منذ 12 عامًا، بالإضافة لما يمكن أن يثيره النقاش القانوني من أسى بالنظر لتجربتين مريرتين، الأولى هي السلطة في ظلّ الاحتلال، والثانية هي الانتخابات الأخيرة، وكأنّ مشكلتنا الجوهرية في إرادتنا القانونية، لا في اختياراتنا السياسية التي تقامر بأيّ إرادة أخرى لنا، ومع ذلك فلتعرض كلّ حجة في مواجهة قرار لا يندرج في معركتنا الواجبة في مواجهة الاحتلال.

يأتي الإعلان عن حلّ المجلس التشريعي، وهو إعلان يستهدف حصرًا حركة حماس ذات الأغلبية في المجلس التشريعي المعطّل، مع استمرار الحصار الإسرائيلي لمدينة رام الله، وبعد أيام قليلة على اقتحام قوات الاحتلال الواسع للمدينة، ولا سيما من أكثر مناطقها الأمنية حساسية بالنسبة للسلطة الفلسطينية، وذلك بعد سلسلة عمليات نفذتها حركة حماس، وهذا كان يستوجب بالضرورة موقفًا من السلطة في ذات السياق الذي تقف فيه السلطة، أي نضالها السياسي والقانوني ضدّ الاحتلال، الذي حوّل اتفاقية أوسلو إلى التزام أمني وسياسي خالص على السلطة، مع إلغائه كلّ ما يترتب عليه من التزامات، فاقتحام الاحتلال للمناطق (أ) مخالف لاتفاقياته مع السلطة، لكن قيادة السلطة -بدلاً من ذلك- اتّجهت لاستكمال معركتها مع حركة حماس، ولإدارة الملف الداخلي لأجل ترتيب المرحلة القادمة بين نخبة قيادة حركة فتح والسلطة.

ومن نافلة الكلام، التذكير بجملة التحدّيات الضخمة التي تحذّر منها قيادة السلطة نفسها، والتي أبرزها "صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية، والإجراءات الأمريكية الأخيرة التي فرّغت المفاوضات مع الاحتلال من أي قيمة بالنسبة للفلسطينيين، ولكن الأهم في كلّ ذلك بالنسبة للفلسطينيين، هو الفشل المحتّم لمشروع التسوية الذي انبثقت عنه السلطة، وجرت على أساسه آخر انتخابات، هذا الفشل يستدعي كفًّا عن المسار الجاري الذي اعتُرف بفشله، وعن الخصومة الداخلية، للاستناد في توجهات جديدة إلى وحدة وطنية حقيقية تتجاوز هذا المسار، وإذا كان هذا صعبًا على السلطة، فيمكنها على الأقل إدارة خلافها مع حماس بالنمط الجاري منذ الانقسام دون تصعيد ودون إجراءات قانونية من شأنها أن تعمق الانقسام.

يمكن قول الكثير من الكلام في سريالية المجلس التشريعي أصلاً، أو من حيث كونه معطّلاً، أو في خرافة فكرة فرض الدولة على الاحتلال والعالم، فالنتائج واضحة: انقسام، وسلطة باتت هدفًا في ذاتها لا تحلم بأيّ أفق سياسي أرقى، وتحتكرها نخبة تتعارض مصالحها مع أيّ نضال حقيقي ولو في الإطار المعلن من طرفها، أي ولو في حدود المقاومة الشعبية الواسعة والجادّة، ولكن مع ذلك ظلّ هذا المجلس الشكل الوحيد المتبقي، على تعطّله وانعدام فاعليته، الذي يربط ما يُسمى بالنظام السياسي الفلسطيني في كلّ من الضفة وغزّة.

المشكلة هنا، في كون تفسير قيادة السلطة لما يُسمّى بصفقة القرن، هو إقامة دويلة فلسطينية في غزّة، وفصل غزّة عمّا تسميه المشروع الوطني، بيد أنّ الذي ما زال متضحًا أن العقوبات على غزّة، ومحاولة فرض حلّ كاسح على حماس يصفّي كل مصالحها ولا يراعي كل ما ترتب لها خلال السنوات الماضية.. إنما يدفع لفصل غزّة لا لإرجاعها، وإذا كانت صفقة القرن تريد فصل غزّة، فحلّ التشريعي يساعد على ذلك، فالسلطة تعلن عن معركة، ثم تعلن عن خوضها من الجهة الخاطئة وبالأدوات الخاطئة!

قد يقال إن ما يجري تصفية حسابات مع حماس، وعناد في معركة لم تسقط حماس بعد، لكن هذه أيضًا معركة خاطئة بالكامل، فحماس كما قال الرئيس في خطابه جزء من الشعب الفلسطيني، وفي ظلّ الاحتلال ومع الفشلّ المؤكد لمشروع التسوية لا ينبغي خوض المعركة إلا مع الاحتلال.