مشروع القرار الأمريكي ضد المقاومة.. الوجه الآخر للإنجاز

السبت 08 ديسمبر 2018 06:20 م بتوقيت القدس المحتلة

مشروع القرار الأمريكي ضد المقاومة.. الوجه الآخر للإنجاز

حين تقييم نتيجة التصويت في الأمم المتحدة على مشروع القرار الأمريكي لإدانة المقاومة الفلسطينية، فينبغي بالضرورة النظر إلى موضوع القرار، وهو المقاومة الفلسطينية، التي تدافع عن الشعب الفلسطيني بأدوات متعددة منها أداة الصواريخ التي تستهدف بها البنية الاستعمارية الإسرائيلية المعسكَرة، وهذه المقاومة، من هذه الحيثية ما تزال محلّ إدانة أو رفض أو انتقاد من الدول المؤثّرة في العالم، كمنظومة الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى عدد من المؤسسات الدولية المعنية بالقضايا الحقوقية، والتي تستند إلى قوانين دولية أصدرتها الدول الغالبة في العالم في لحظة تاريخية، تعالج أوضاعًا معينة متعلقة بتلك اللحظة، ولا تراعي ولا من أي وجه خصوصيات الحالة الفلسطينية، والتي يتّسم فيها الاستعمار بنمط استيطانيّ معسكَر بالكامل.

تلك المؤسسات لا تدين قصف المقاومة الفلسطينية للتجمعات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة عام 1948 فحسب، ولكنها في الوقت نفسه تدين أيضًا استهداف المقاومة للمستوطنين في فلسطين المحتلة عام 1967، على اعتبار أن هؤلاء المستوطنين مدنيون، بالرغم من كونهم مسلحين، ويستولون على أراض "غير إسرائيلية" بتعريف القانون الدولي، ومن ثمّ فمجالات المقاومة في فلسطين محصورة جدًّا، ومما يحاصرها القوانين الدولية التي وضعتها الدول الراعية لـ "إسرائيل" وتحميها (أي القوانين) مؤسسات حقوقية دولية حتى لو كانت توجّه انتقادات صريحة وقوية لـ "إسرائيل"، ويضاف إلى ذلك أن تلك القوانين، قاصرة عن ملاحظة، النمط الاستعماري الذي تختصّ به "إسرائيل"، وكذلك العسكرة الكاملة للمجتمع الإسرائيلي، فإنّ أكثر المجندين الإسرائيليين الذين يحتك بهم الفلسطينيون في الضفة الغربية على الحواجز أو داخل المعتقلات أو أثناء الاجتياحات الكبرى كما في العام 2002؛ هم "مدنيون" يحملون صفة جنود احتياط!

بكلمة أخرى لا تحظى المقاومة الفلسطينية بالتأييد الذي تحظى به أفكار ومشاريع أخرى في المحافل الدولية، كإدانة الاستيطان، أو دعم حلّ الدولتين، أو ما شابه، مما ينطوي على تأييد من جانب آخر للوجود الإسرائيلي في بلادنا، وهو ما يعني بالضرورة إدانة ضمنية للمقاومة التي تستهدف ذلك الوجود الذي يحظى بالتأييد والرعاية الدولية، وبالتالي، فالنتيجة القانونية للتصويت، أي فشل المشروع الأمريكي لعجزه عن إحراز ثلثي الأصوات، رغم إحرازه أغلبية الأصوات.. هو إنجاز من هذه الناحية للفلسطينيين عمومًا، وللمقاومة الفلسطينية خصوصًا.

هذه المقاومة، تبدو اليوم حالة غريبة وشاذة، مع انهيار الحالة الكفاحية التي جسّدتها فترة طويلة منظمة التحرير الفلسطينية، ورُسّمت في نهاية الأمر مع توقيع اتفاقية أوسلو، فلا تحظى اليوم مقاومة الفلسطينيين بأي دعم عسكري أو مالي من أي بلد عربي أو إسلامي، إلا في نطاق بالغ الضيق، وفوق ذلك، فإنّها محاصرة بإجراءات فعلية، تقيد حركتها، وعلاقاتها، وبحثها عن المال والسلاح، وتواجه سيف الاتهام بالإرهاب المشرع في وجهها في كل حين وآن، فحتى الدول العربية التي صوّتت ضدّ القرار، أكثرها ينتهج ممارسات سياسية وأمنية معادية بالفعل للمقاومة الفلسطينية، ويقيم علاقات علنية مع "إسرائيل"، أو سرّية، وقد بات مؤكّدًا حصول التعاون الأمني بين "إسرائيل" الرسمية وشركات إسرائيلية ذات طبيعة استخباراتية وبين دول عربية لا تقيم علاقات رسمية مع "إسرائيل"، وبعض هذه الدول ورغم تصويتها ضدّ القرار الأمريكي، فإنّها عبّرت خطابيًّا عن مضمون القرار ذاته بإدانة المقاومة الفلسطينية!
هذه الاعتبارات كلّها تجعل نتيجة التصويت، لا القانونية فحسب، بل وحتى المعنوية والدعائية في صالح المقاومة الفلسطينية، فإن لم تكن إنجازًا للفلسطينيين ومقاومتهم، فهي بالتأكيد فشل لـ "إسرائيل" وحاميها الإمبريالي الأكبر الولايات المتحدة الأمريكية!

بيد أنّ إنجاز المقاومة الفلسطينية، ماثل في صمودها واستمرارها الذي عاند كل تلك الظروف القاهرة، والذي يخفي خلفه إخفاقات أكبر لـ "إسرائيل" ورعاتها الدوليين، فهذه الدولة المدججة بكل أسباب القوّة الذاتية والخارجية، حتى الآن عاجزة عن كسر المقاومة الفلسطينية، وهي ورغم استنادها للقوى العظمى التي لم تزل مهيمنة على العالم، عجزت عن خلق إجماع مناصر لها ضدّ المقاومة الفلسطينية رغم ما تعانيه هذه المقاومة من تشويش، وما وتواجهه من ظروف سياسية ونصوص قانونية وأعراف دولية تقف على الضدّ منها.

لا يعني ذلك الركون إلى هذه النتيجة، التي هي إنجاز في جوهر الأمر للمقاومة نفسها، التي حافظت بوجودها وفاعليتها على حقّ الفلسطينيين في المقاومة، وعلى أصل مقولة الفلسطينيين وروايتهم المناقضة لمجرد الوجود الإسرائيلي في بلادنا، في مواجهة التيار العالمي الهائل، ولكنه يعني ملاحظة الجانب المهم في القدرة على كسر الغطرسة الإسرائيلية، وقيمة الإيمان والإرادة في هذه المواجهة، وعلى أزمة المشروع الصهيوني العميقة، وذلك لقوّة الحقّ الفلسطيني ووضوحه رغم اختلال موازين القوى واهتراء القيم الأخلاقية في العالم، وهو ما يمكن البناء عليه خلال الفترة القادمة، وهذا البناء يحتاج بالضرورة نقدًا ذاتيًّا صريحًا لإخفاقاتنا في مجالات السياسية والدعاية الإقليمية والدولية.