المولودون بمشاكل قلبية أكثر عرضة للأمراض النفسية

الثلاثاء 26 يونيو 2018 04:32 ص بتوقيت القدس المحتلة

المولودون بمشاكل قلبية أكثر عرضة للأمراض النفسية

يولد واحد من كل 125 طفلا بمشاكل في القلب، ولكن بفضل الطب الحديث ينجو عدد أكبر من الأطفال الرضع مقارنة بالماضي. ويعيش في العالم المتقدم 90% من هؤلاء الرضع حتى يصلوا إلى سن البلوغ، مقارنة بـ20% فقط في أربعينيات القرن العشرين، غير أنه لا يوجد علاج لهذه الحالات، ويظل هؤلاء الأشخاص تحت المراقبة الطبية طوال حياتهم.

لا تؤثر العيوب الخلقية في القلب على الجسد فقط، لكنها تؤثر كذلك على العقل؛ إذ تظهر مجموعة من الأدلة الحديثة أن الأشخاص المولودين بعيب خلقي في القلب أكثر عرضة للمعاناة من الأمراض النفسية، مثل اضطرابات القلق والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة.

يُفهم هذا الأثر النفسي حتى الآن على أنه نتيجة لضغوط إضافية قد يسببها العيش مع حالة طبية خطيرة ودائمة كهذه، مثل الغياب عن الدراسة، وقضاء الكثير من الوقت في المستشفيات (منذ الطفولة)، والاضطرار للخضوع لعمليات جراحية كل حين. أعلم من خلال تجربتي الشخصية كيف أن هذه الرحلة يمكن أن تكون صعبة.

قد يساعدنا فهم جديد نسبيا للكيفية التي تنظم بها أجسادنا مشاعر الأمن والخطر والتواصل الاجتماعي لدينا، على فهم -من منظور بيولوجي- الخطورة المتزايدة لحدوث اضطرابات صحية نفسية.

"
قد يساعدنا فهم جديد نسبيا للكيفية التي تنظم بها أجسادنا مشاعر الأمن والخطر والتواصل الاجتماعي لدينا على فهم -من منظور بيولوجي- الخطورة المتزايدة لحدوث اضطرابات صحية نفسية
"
الهروب أم القتال أم التظاهر بالموت
تقترح نظرية بولي فاغال (Polyvagal theory) المبنية على التطورات الأخيرة في علم الأعصاب وعلم النفس والبيولوجيا، أن واحدة من أكبر وظائف الجسد هي تجنب المخاطر كي يبقينا آمنين.

من أجل هذا الغرض، يتنقل الجسد بين ثلاثة نظم مختلفة اعتمادا على مدى شعورنا بالأمان. عندما يكون كل شيء على ما يرام، نبقى في نظام المشاركة الاجتماعية. هذا النظام هو أكثر نظام متطور وصحي للحياة؛ إذ نشعر في هذا الوضع بالأمان والمرونة الاجتماعية، وهو كذلك أفضل وضع للنمو والتطور والتعلم والتعافي والشفاء.

يُفعل نظام الهروب أو القتال عندما نشعر بالتهديد؛ إذ يُستدعَى الجهاز العصبي للعمل ونشعر بأننا مجبرون على القتال أو الهروب من أجل الأمان. يشبه هذا ما نشعر به بسبب اضطراب القلق.

وإن شعرنا بأن حياتنا تحت تهديد الخطر، ننتقل إلى أكثر نظمنا بدائية وهو "التظاهر بالموت". من الناحية الفسيولوجية، يعتبر هذا النظام مُعطلا ومجمدا، فنصبح متجمدين وشاعرين بالخدر أو بالانفصام عن الواقع. قد نجد بعد هذه الحالة صعوبة في استدعاء ما حدث لأن هناك أجزاء من عقلنا، وهي الأجزاء المسؤولة عن فهم الأحداث وتخزين الذكريات، تكون متوقفة عن العمل.

نحتاج لكي نشعر بأننا على ما يرام أن نكون قادرين على التقييم والتكيف مع بيئتنا عندما نكون آمنين أو غير آمنين، وتُشكل الجودة التي ننفذ بها هذه المهمة السابقة في سنوات عمرنا الأولى.

إن تلقينا العديد من الصدمات أثناء نمونا، قد نفسر الأمور بشكل أكبر على أنها تهديدات، يؤثر هذا أيضا على الكيفية التي نسيطر بها على التوتر، وقد يؤثر كذلك على علاقاتنا، وذلك بالنظر إلى أننا كائنات اجتماعية، فنحن نحتاج لأن نكون في وضع المشاركة الاجتماعية أغلب الوقت من أجل تحقيق التواصل الاجتماعي.

وقد تؤثر أي مشكلة في القلب على كفاءة أجسادنا في الاستجابة للتهديدات، لأن القلب هو جزء أساسي في جهازنا العصبي. وقد يفسر هذا بشكل ما سبب كون الأشخاص ذوي المشاكل القلبية الخلقية أكثر قابلية للإصابة باضطراب القلق والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة.

وتزداد هذه القابلية إذا تعرضنا لأحداث صادمة في مقتبل حياتنا، مثل الخضوع لعمليات جراحية، أو البعد عن الآباء بسبب فترات الحجز الصحي في المستشفيات.

"
التركيز على الشعور بالأمان والتنظيم الانفعالي بالنسبة للكبار قد يكون أكثر إفادة من العلاج الكلامي
"
الشعور بالأمان
هذه الفكرة لها تأثيرات مهمة تمتد منذ الميلاد وحتى الوفاة على الأشخاص الذين يعيشون مع أمراض قلبية. قد يجعل هذا الفهم الرعايةَ الطبية تركز على ترسيخ مشاعر الأمان، عن طريق تعزيز أهمية وجود الآباء، والتلامس، والصوت المهدئ للأطفال على سبيل المثال، بينما تُدعم الصحة النفسية لعائلة الطفل.

وربما من المفيد كذلك تعليم الطاقم الطبي كيف يتعامل مع المحنة التي يتعرض لها الطفل، وكيف يتواصل بتعاطف معه، وبالإضافة إلى أهمية تشجيع وجود الأشخاص الذين يحبهم الطفل. يقترح هذا الفهم مبادرات يمكن تنفيذها مع الطفل مثل التلامس، واللعب، والعلاج الموسيقي، على وجه التحديد.

قد يكون التركيز على الشعور بالأمان والتنظيم الانفعالي بالنسبة للكبار أكثر إفادة من العلاج الكلامي. يبدو هذا ذا أهمية خاصة للشخص الذي كبِر في وقت كان يمنع فيه الوالدان من زيارة أبنائهم في المستشفى، بالإضافة إلى الشخص الذي قاسى المرض والتجارب العلاجية الطبية بدون الوجود الحاني لوالديه. قد يستفيد الأشخاص الذين عاشوا هذه الحالات من اليقظة (الوعي التام)، والتأمل، وتقنيات التنفس، كي تساعدهم على الشعور بالأمان.

يجب أن نتطلع إلى تحسين الوعي بهؤلاء البشر وفهمهم، هذا التحسن قد يعزز الاندماج الاجتماعي ومشاعر الترابط والأمان على نطاق أوسع من المجتمع.
_______________
* مستشارة نفسية ، جامعة ستراثكلايد.