جيشٌ يهزمه بالون

الأربعاء 20 يونيو 2018 02:14 م بتوقيت القدس المحتلة

جيشٌ يهزمه بالون
محمد بلور

محمد بلور

صحفي فلسطيني

ما يجري في فضاء غزة خارج كوكب الحسابات فالتكنولوجيا والتطور والقوة الإسرائيلية لن تفلح في قضم الإرادة الفلسطينية لحد الفناء فلطالما انتصر تراكم الإرادة في المعركة مع المستوطن والمحتل .

ألم يتجاذب المناوبون في وحدة (جولاني) وكتيبة الجنوب (غزة) الحديث وهم يتناولون بوظة (شتراوس) أو علب اللبن الدسم (شيمينيت) ؟ لماذا يبدي فتيان غزة استعدادهم للتضحية بلحمهم الطري على الحدود وهم يطلقون الطائرات والبالونات لتصدير قبس من جحيم النيران الذي يفتحه قادتهم على غزة منذ اثني عشر عاماً ؟ .

حيرة الاحتلال من مواجهة مطلقي البالونات والطائرات الورقية تذكرنا بعجزه الحديث عن مواجهة شبان العمليات الفردية في انتفاضة القدس بعد أكتوبر (2016) فليس بالإمكان أن يدخل (الشاباك) رأس كل فلسطيني في الضفة ليعرف متى يستلّ سكيناً أو يتدبر مسدساً بدائي الصنع .

لست مع تضخيم ظاهرة وتأثير البالونات والطائرات الورقية التي تسببت باحتراق ممتلكات المستوطنين فجيش الاحتلال يركّز على رواية الخطر العظيم القادم من فضاء الغرب ويشن غارات محاولاً استدراج المقاومة لتحويل دفّة المشهد عن مسيرة العودة .

إن هزيمة الاحتلال هنا هزيمة قيم وأخلاق فالبالون بطبيعة الحال لا يواجه آلات وأدوات (إسرائيل) العسكرية المتطورة لكنه كشف سوءة قيادتها السياسية والأمنية وفضح صلف جيشها .

البالون استنطق جيش الاحتلال الذي يبرر القتل المتعمّد على فتيان يستخدموا اداة تعبير سلمي للاحتجاج على الحصار ذلك الحصار الذي لا يذكره المستوطنون إلا عندما تسقط قذائف المقاومة قرب منازلهم وعدا ذلك يموت (2) مليون كل يوم بغزة ألف مرة ويدير قادة المجتمع الدولي أعناقهم عن معاناة غزة منذ اثني عشر عاماً . 

وأمام عجز قوة الاحتلال عن وقف أحد أشكال المقاومة السلمية الذي أزعجه ولا يكلف في أكثر أحواله (15) شيكلاً لم يجد قنّاصة الاحتلال المنتشرين على الحدود وطائراته بأنواعها خصماً يبرروا فيها رواية الاستهداف فمضوا نحو إسناد المسئولية لمستويات أمنية وعسكرية وسياسية رفيعة وصل نقاشها لتشريع التصفية الجسدية والتلويح بالاغتيالات .

وكما أنني لست مع ثقافة تمجيد الموت او امتداح التضحية بجراح ملونة دوماً وسط الحصار وأزمات الحياة اليومية والتنقل والعلاج لا يمكن أن أتجاهل قوة الإرادة في هذا الشكل المتركزة في ضعفه فرغم أنه من أشكال المقاومة الشعبية محدودة الأثر لكنه أزعج الاحتلال وأربك جزءً من استقرار المستوطنين غرب النقب فيما بدأ الجيش يضخّم الظاهرة ليشرّع التصعيد والعدوان .

منذ أسبوع تتلقي غزة كمية نيران متصاعدة بدأت حسب متابعتي الإخبارية من بدأ مسيرة العودة بتهديد المخابرات للشبان مطلقي الطائرات الورقية والبالونات ووصلت حد القصف من طائرات الاستطلاع ورصاص القناصة وتوّجت بقصف مواقع ومقدرات للمقاومة .

جيش الاحتلال أصدر بياناً قبل أيام يؤكد الاستمرار في هجماته لوقف الظاهرة محملاً حركة حماس المسؤولية عن جميع الأحداث والعواقب وقد ترجم ما يرمي له بتكثيف النيران في جولته الأخيرة فجر الأربعاء لكن المقاومة لم ترغب في العودة للمربع الأول بعد أن عدّلت جزءً من قاعدة الاشتباك منتصف رمضان ردت برشقة قذائف ضمن معادلة (القصف بالقصف) .

وكثّف الاحتلال في الأسابيع الماضية من تناوله لنشاط الطائرات الورقية والبالونات رغم أثرها المحدود في تكبيد المستوطنين خسارة مادية محدودة فمنح الاعلام الإسرائيلي مساحةً للتعليق والتصوير بل انتقل ضباط المخابرات حسب متابعتي لتهديد عائلات شبان البالونات .

كنت أول صحفي يجري مقابلات مع شبان المجموعة الأولى للطائرات الورقية الذين ظهروا للمرة الاولى بتجربتهم ولاحقاً البالونات الحارقة بعد أن أجروا تجربة ناجحة على حدود مخيم البريج أحرقت جزءً من حقل قمح هرع الاحتلال بعد ساعات لحصاده قبل نضوجه .

أخبرني يومها شابٌ ترأس المجموعة الأولى لمطلقي الطائرات والبالونات أنه ورفاقه كانوا يفتشون عن نشاط مقاومة شعبية يتميزون به عن أقرانهم لرفع الصوت عالياً ضد حصار غزة وأن نجاح التجربة الأولى شرق البريج أغراهم بتجهيز (50) طائرة ظهرت في الجمعة الثانية .

انتقلت الفكرة للنشاط الفردي والجمعي وبدأت تتمدد في خيام مسيرات العودة الكبرى الخمس من رفح حتى شمال غزة حتى بدأت مجموعة الوسطى الاولى يجهّز الطائرات وتوزعها على القطاع وظهر شبانٌ يمارسون النشاط بشكل فردي كل جمعة .

ومن تفاصيل التجربة الأولى ان الجنود تهكموا على الطائرة الورقية الأولى وبانت عوارضهم وهم يضحكون حتى أن إحدى الطائرات سقطت فوق الأعشاب الجافة وانطفأ ذيلها قرب ثكنة جنود في موقع المدرسة العسكري فتبرّع احدهم ورفعها وبدأت فإطلاقها لتطير دون أن ينتبه أنها تحمل علم فلسطين .

احتاجت الطائرة لألف متر من الخيوط فبدأت الفكرة بتجهيز بالونات مشتعلة إلى جنب الطائرات الورقية التي ظهرت بقوة في الجمعة الثالثة لمسيرة العودة وفي الجمعة الرابعة كانت البالونات والطائرات تصدر نيران الحصار للحقول والأحراش غرب النقب .

وقال لي أحد الشبان إنهم راقبوا اندلاع الحرائق في مستوطنات وحقول الحبوب وأحراش الحدود وأن الأحراش شرق مخيم البريج مهد التجربة الأولى كان لها نصيب كبير بعد أن تمكنوا من تجهيز بالونات مشتعلة بغاز مصنّع محلياً وليس من غاز زعم الاحتلال أنه من غاز الاستخدام الطبي في المستشفيات .

قطعت البالونات ولا تزال مسافة وصلت إلى عدة كيلو مترات وتعلّق الأمر كما عرفت فنيّاً بكمية الغاز وصمود الشعلة , وحدها الرياح من وقفت إلى جوار هؤلاء الشبان وهم يراقبون عقم السياسة وعجز الخيارات وتهاوي القيم الإقليمية والدولية في التعامل مع معاناة الإنسان الفلسطيني فواتت رياحهم سفنهم الطائرة فكانت رسل استدعت وحدات الإطفاء ونالت اهتمام الاعلام الإسرائيلي الذي اعتاد خدمة الأمن والعسكر ممهّداً لما جرى لاحقا من استهدافات مباشرة .

ولقد أخبرني الشبان الذين نشطوا في الطائرات الورقية والبالونات أنهم تعرضوا في الشهر الاول لمسيرة العودة لإطلاق نار من القناصة حتى بدأ صاورخ طائرة استطلاع يسقط للمرة الاولى عليهم قبل أسبوعين شمال القطاع وللمرة الثانية بعد مؤتمر صحفي لهم شرق البريج قبيل عيد الفطر بيوم .

وجاء قصف مخيم العودة شرق البريج نقطة النشاط الاولى للطائرات الورقية والبالونات بخمسة صواريخ من طيران الاستطلاع أولها أدى لتضرر الجدار الشمالي للساحة وتدمير خزان المياه ثم شنّ الاحتلال في اليوم التالي غارة على سيارة زعم أنها لشبان الطائرات الورقية بالشجاعية ودمرها واستهداف راكبي دراجة نارية منهم فأصاب اثنين شرق البريج .

قبل يومين زاد الاحتلال وتيرة النيران بقصف موقع مقبولة شرق البريج بثلاثة صواريخ بعد إطلاق نار على مجموعة طائرات ورقية شرق رفح وخان يونس ثم تفرقت نيران الاحتلال حتى جاءت مكثّفة وغزيرة على غير العادة فجر الأربعاء نالت من مواقع للمقاومة ومقدرات أخرى .

 كثيرةٌ هي النماذج التي تفوّقت فيها المواظبة والإرادة على القوة الهائلة خاصّة في صراعات المحتلين وتاريخ الاستيطان منذ قديم الزمان وكما أن البعوضة المسيّرة على ضعفها نالت من الملك (النمرود) عقاباً له فازت السلحفاة في سباقها مع الأرنب أمام غروره الذي أركنه للدعة والراحة .

وإذا كانت (إسرائيل) تجرّم كافة أنواع الاحتجاج السلمي وتصفه بالإرهاب لتصف (إسرائيل) نفسها للعالم كيف يكون الاحتجاج على حياة تفتقر للكهرباء والمادة وحرية الحركة والعمل والتعليم .

الاحتلال الذي تحصّن بتواطؤ الإقليم ومعظم المجتمع الدولي جرّم كافة أنواع الاحتجاجات السلمية ووصفها بالإرهاب بل مضي في صلفه قبل أيام حين أعلن صراحةً نيته اغتيال فتيان يطلقون بالونات وطائرات ورقية .

ولطالما تميزت الشعوب الثائرة بألوان وأنشطة من الاحتجاج السلمي أمام محتلها سقوط آلاف المتظاهرين السود برصاص التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا قديما وهم يرقصون واندفاع شعب فيتنام للتضحية نفسه تحت رصاص احتلاله القرن الماضي يترجم اليوم بإطلاق بالونات حارقة تخطت كل الأسلاك الشائكة والأبواب الموصدة .

وهكذا هي غزة التي خالفت العالم في استخدامها للبالونات ففي حين يستخدمها الناس للاحتفال يستخدمها أبناء غزة لرفع الصوت عالياً ليقولوا كفي للحصار والاحتلال الذي حرق طبقات الحياة في غزة قبل ان يحرق البالون أحراشاً في أرض محتلة يملكها من يطلق البالون نفسه .