​مسيرات العودة وصناعة الأزمة للكيان الصهيوني

الإثنين 21 مايو 2018 02:09 م بتوقيت القدس المحتلة

​مسيرات العودة وصناعة الأزمة للكيان الصهيوني
د. عبد الستار قاسم

د. عبد الستار قاسم

كاتب ومحلل سياسي ومفكر

لا يملك الضعفاء قوة يواجهون بها الأقوياء، ولهذا يعملون تاريخيا على الالتفاف على القوة السافرة بقوة خفية، وبتكتيكات لا تتمكن معها القوة السافرة من إعادة ترتيب نفسها لمواجهة فعالة.
رأينا هذا مثلا في تكتيكات العبيد ضد سادة روما، وفي اغتيالات القصور لتغيير نمط الحكم، وفي فيتنام ضد القوات الأميركية، وفي تكتيكات المقاومتين الفلسطينية واللبنانية في مواجهة القوة السافرة الصهيونية.
في صراع الفلسطينيين ضد القوة الصهيونية الغاشمة؛ لا بد من التحايل على الخلل في التوازن العسكري ليحصل توازن الرعب، أو لصناعة ردع لا يستند ضرورةً إلى القوة المسلحة.
وعلى رأس أساليب التحايل تأتي ضرورة صناعة أزمة للكيان الصهيوني، بطريقة تستقطب وسائل الإعلام العالمية واهتمام الدول واهتمام المنظمات الدولية، وذلك لحشر الكيان في زاوية قد لا يتمكن من الخروج منها.


صمود مسيرات العودة
انطلقت مسيرات العودة في غزة واستمرت بزخم كبير، ومن المتوقع أن تستمر؛ لأن استمرارها ضروري إذا أراد الفلسطينيون تحقيق نتائج.
طوال تاريخ الصراع ضد الصهاينة؛ أضاع الفلسطينيون فرصا عدة لتحقيق إنجازات بسبب توقفهم عن نشاطاتهم ضد الغزو الصهيوني والاحتلال. كان الفلسطينيون يهبون ثائرين أو منتفضين ويقدمون التضحيات الجسام في المواجهات، لكن قيادتهم كانت تدعوهم إلى الاسترخاء قبل تحقيق الأهداف، وهو ما كانت تسميه القيادة باستراحة المحارب.
وكان ذلك دائما استهتارا حقيقيا بالدماء الفلسطينية وبالتضحيات الكثيرة والآلام والأحزان. مع استراحة المحارب كانت تضيع البوصلة، وتهدأ الأوضاع، وتعود المعادلة إلى سابق عهدها من حيث المهيمِن والمهيمَن عليه. هذا الأسلوب يجب ألا يتكرر الآن في غزة.
صمود الناس واستعدادهم لتقديم التضحيات سيؤدي إلى تحقيق نتائج إيجابية، لكن النجاح يتطلب الأمور الإضافية التالية:
1- من المفروض توسيع نطاق الحراك الفلسطيني بشأن حق العودة وألا يقتصر النشاط على قطاع غزة. لكن المشكلة أن البيئة السياسية مواتية لتوسيع النطاق في منطقتين: قطاع غزة ولبنان.
البيئة السياسية والوطنية في قطاع غزة مواتية تماما لنشاطات فلسطينية متعددة في مواجهة الصهاينة وعلى رأسها المقاومة المسلحة، وكذلك الأمر في لبنان. أما سوريا فلم تستقم الأمور فيها بعدُ، واللاجئون الفلسطينيون يعانون المزيد من التشرد والحياة القاسية.
وبالنسبة للأردن فإنه لا تسمح بمسيرات ونشاطات تزعج الكيان الصهيوني، وفي الضفة الغربية لا توجد بيئة وطنية صالحة لنشاط وطني فلسطيني يواجه الاحتلال.
2- النقطة الثانية المطلوبة هي وحدة الشعب الفلسطيني التي لم تتبلور بعدُ؛ الشارع الفلسطيني في غزة موحد، والفصائل الفلسطينية موحدة إلى حد ما، ونأمل أن تكون وحدتها إستراتيجية وليست ظرفية.
3- تحتاج المسيرات إلى مرجعية سياسية تحملها هي وأهدافَها إلى العالم بوسائل إعلامه ومنظماته ودوله. لا توجد مرجعية سياسية فلسطينية معترف بها دوليا غير السلطة الفلسطينية في رام الله، وهي غير شرعية ولا تمثل الشعب الفلسطيني.
سلطة رام الله لا يبدو أنها مهتمة بالأمر أو جادة إلا من قبيل إسقاط الأعذار، وهي سلطة تعتبر إنجاز غزة إنجازا لحركة حماس، ووفق فكر المناكفات والتنافس الإسقاطي ينصبّ الاهتمام على الفشل وليس على النجاح.
نتذكر جيدا الحراك الفلسطيني عندما حاول الصهاينة السيطرة على بوابات المسجد الأقصى؛ فقد احتشد الفلسطينيون المقدسيون وأصروا على إلغاء الإجراء، وكان في استمرارهم ما صنع أزمة للصهاينة.
استقطب الناشطون الفلسطينيون وسائل الإعلام العالمية واهتمام الدول، وخاصة الدول الغربية التي كانت تخشى من تطور الأحداث إلى حركة استقطاب ديني، وهو ما يستدعي مزيدا من التطرف في المواقف. ولهذا آثرت الدول الغربية أن تضغط على الصهاينة للانكفاء، والابتعاد عن مقدسات الناس.
ومع الضغط الإعلامي وجد الصهاينة أنفسهم أمام رأي عام عالمي يدينهم ويقف ضدهم. والصهاينة حساسون لمسألة الرأي العام العالمي، حتى لو رأينا نحن العرب غير ذلك. لقد تمكنوا من استقطاب رأي عام عالمي لصالحهم عبر دعاياتهم التي لا تتوقف وهم لا يريدون خسارة هذا الرأي الذي يشكل عنصرا انتخابيا هاما. وانتهت قصة البوابات بتراجع الصهاينة عن خططهم ونجاح المقدسيين في منعهم.


صناعة الأزمة واستثمارها
على ذات الشاكلة؛ لا بد من صناعة أزمة للصهاينة في غزة عبر مسيرات العودة التي لم ترفع السلاح. لكن يبدو هذه المرة أن الصهاينة قد صنعوا لأنفسهم أزمة واستبقوا ما يمكن أن يقوم به الفلسطينيون، وذلك عندما ارتكبوا مجزرة غزة ضد المسيرات.
لقد قتلوا عشرات الفلسطينيين وجرحوا الآلاف والعالم يشهد عبر وسائل الإعلام حجم الوحشية والإجرام، وبذلك أوقع الصهاينة أنفسهم في أزمة مع وسائل الإعلام والعديد من الدول خاصة الأوروبية، ومع جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية.
حتى الولايات المتحدة أخذت تختبئ لتقول إن المسيرات لا علاقة لها بالاحتفال بفتح المستوطنة الأميركية في القدس. ومهما يكن؛ فإن من يجرّم الصهاينة يجرم الأميركيين لأنهم الدولة الراعية لإرهاب الكيان الصهيوني.
أسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن يأخذ الفلسطينيون في غزة استراحة محارب؛ فإن فعلوا أضاعوا الحصاد. لكنني على قناعة بأن الغزيين قد تعلموا الدرس، وهم يعلمون أن الفلسطينيين قد دفعوا تضحيات جساما بالتقسيط، ولو كانوا دفعوها دفعة واحد لحققوا على الأقل جزءا مما يصبون إليه.
المسيرات ستستمر لكن من المتوقع أن تكون طريقة الأداء والتنفيذ مختلفة عما كانت عليه، وذلك للتخفيف من الخسائر. الخسائر في الجانب الفلسطيني واقعة ولا مفر منها، ومطلوب من لجان التنسيق أن تفكر جيدا في تكتيكات أدائية جديدة لا تريح الصهاينة وإنما تخفف خسائر الفلسطينيين، خاصة أن غزة تعيش أوضاعا صعبة وقاسية جدا، وما تتحمله حتى الآن بالنيابة عن الفلسطينيين أكثر بكثير من طاقتها.
إذا استطاعت غزة أن تعيد الحياة إلى قضية حق العودة على المستويات الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية؛ فإنها تكون قد نجحت. لقد حققت حتى الآن نجاحا لكنه لم يختمر بعدُ.
أعادت حركة الجماهير الفلسطينية الوعيَ الفلسطيني بقضية العودة إلى سابق عهده، وذكّرت العالم بمن فيهم العرب بأن هناك ملايين اللاجئين الفلسطينيين ما زالوا ينتظرون عودتهم إلى بيوتهم وممتلكاتهم في الأرض التي اغتصبها الصهاينة عام 1948.
لكن النفس الطويل سيؤدي إلى اختمار هذا الوعي واهتمام المنظمات الدولية ومختلف الدول بهذا الشأن. وستكون الجماهير قد نجحت أكثر إن هي أسقطت مقولة حل الدولتين، وأبدلته بحق العودة. فلا دولة بدون الناس، والدولة يأتي وقتها عندما يعود الناس.
دول كثيرة تدافع عن حقوق اللاجئ في العودة إلى بيته وممتلكاته، ويبدو أن الفلسطيني ليس ضمن تصنيف اللاجئين رغم قرارات دولية بشأن عودته. إن حق العودة قضية ناجحة ويصعب على دول العالم الجدل فيه، ومن الضروري التمسك به كخطوة كبيرة نحو تحقيق حق تقرير المصير.