مسيرة العودة إذ تقرّب الفلسطيني من حلمه

الأربعاء 28 مارس 2018 09:19 م بتوقيت القدس المحتلة

مسيرة العودة إذ تقرّب الفلسطيني من حلمه

قناة الأقصى

لمى خاطر

لمى خاطر

كاتبة سياسية

ليس معروفاً بعد المدى الذي ستصل إليه تطورات مسيرة العودة الكبرى المقرر انطلاقها يوم الجمعة 30/3/2018، من قطاع غزة باتجاه الحدود مع المناطق الفلسطينية المحتلة التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي، ولا كيف ستكون ردود الاحتلال عليها، مع أن تزايد مؤشرات بوادر القلق منها في الأوساط الصهيونية يؤكد انزعاجه منها ورغبته بإفشالها قبل أن تبدأ أو إجهاضها في مراحلها الأولى.

أحسن القائمون على تنظيم الفعالية بتعريفها، حين قالوا إنها ليست حدثاً ليوم واحد بل هي أسلوب نضالي مستمر ومتراكم، وهو ما يعني أن المشاركين فيها ومنظميها لا ينتظرون منها نتائج فورية وآنية، بل يراهنون على طول النفس، ومراكمة الجهود، وحشد عوامل تحدي الاحتلال ومجابهة غطرسته بكل وسيلة متاحة، كما يعني أنه سيظل هناك مجال لاجتراح مزيد من الأفكار لمواجهة الاحتلال، بدل التسليم بوجوده كأمر واقع لا سبيل لردّه أو تغييره.

إن الرمزية التي تجسدها الفعالية كبيرة وثرية. فهي من جهة تعيد تأكيد حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، وهو الحق المراد طمسه وشطبه كلما أطلت تسوية أو صفقة برأسها، لأن في بقائه الخطر الأكبر على مستقبل الكيان الصهيوني وآفاق استقراره، وإن كان الاحتلال وحلفاؤه يراهنون على عامل الزمن لحمل الفلسطيني على نسيان حقه في العودة إلى دياره التي اقتلع منها، فإن استحضار هذا الحق ضمن فعالية سيتابعها العالم بأسره سيعيده إلى الواجهة، كحق لا يقبل النسيان أو المساومة على موائد التفاوض، وكعامل إزعاج أساسي للاحتلال، في وقت يبدو فيه هذا الاحتلال مطمئناً إلى نجاحه في تغييب كثير من الحقوق الفلسطينية، وفي إحداثه اختراقاً في الجدار العربي تجلى عبر نشاطات تطبيعية كثيرة مع أكثر من بلد، وفي إماتة روح التعاطف مع القضية الفلسطينية في الوجدان العربي.

أي أن المسيرة تأتي والكيان الصهيوني في ذروة إحساسه بالتفوق الأمني والسياسي والعسكري، وفي ظل تكاثر القضايا التي يتوزع عليها اهتمام العرب والمسلمين، وفي ظل ترقبه تلك اللحظة التي تصبح فيها صفقة القرن أمراً واقعا، وهو ما سينهي تفاعلات القضية الفلسطينية ويصفي محاورها، وعلى رأسها قضية اللاجئين.

ومن جهة أخرى فإن احتشاد جمهرة كبيرة من المواطنين دون سلاح وبشكل سلمي على الحدود الفاصلة بين غزة وبقية فلسطين المحتلة يخط رسالة تحذير مهمة للاحتلال ولكل المتواطئين على حصار غزة، مفادها أن الانفجار الذي تحذر غزة منه قد لا يكون عسكرياً بالضرورة، بل عبر استثمار فاعلية الجمهور المحتشد بكثافة والموجه للمطالبة بحقوقه الكبرى، بعد أن ذاق الناس ويلات الحصار والتجويع، ولم يبق لديهم ما يخشون خسارته.

وهو ما سيدفعهم للتطلع نحو الأعلى والمساهمة في تحمل مسؤولية استرداد الحقوق والمبادرة للتحرك، بعد أن استنفذت المناشدات الإنسانية وقتها وأغراضها، ولم يبق إلا أن تتحرك الضحية لتواجه عدوها، وتفرض معادلات جديدة، غير تقليدية، ويمكن أن تفضي لمساحات مواجهة مختلفة.

ومن جهة ثالثة فإن انطلاق المسيرة من غزة بشكل أساسي سيجعل التجربة قابلة للرصد ثم المحاكاة في ساحات فلسطينية أو عربية أخرى، فغزة بظروفها الحالية، ورغم حصارها وتردي الأوضاع الإنسانية فيها، فإنها ما تزال الساحة الفلسطينية الأكثر استقراراً وقدرة على إدارة نشاطات وطنية كبيرة، وعلى تحريك الجماهير ضمن فعاليات كبيرة، فبيئتها السياسية والأمنية نظيفة، وغير مقيدة بأي التزام تجاه الاحتلال، وإدارة المقاومة بمختلف أشكالها جزء أساسي من نمط حياتها.

وهو ما يعني وفرة الإرادة في أوصال قطاع عريض من جماهيرها، وحضور العزم والإصرار في نفوسهم، وثقتهم بجدوى حراكهم، وهم يجابَهون بكل أشكال الخذلان والتآمر ممن يحيطون بهم، ويرومون إبقاء غزة مطفأة وجائعة ورهينة موت بطيء.

ولذلك، فحتى وإن قمعها الاحتلال وحاصرها وحال بينها وبين هدفها، فإن مسيرة العودة الكبرى ستقرب الفلسطيني من حلمه، وستفتح وعيه على دروب إدراك جديدة، سيبصر معها مكامن قوته ومجالات تفوّقه على عدوه، وسيؤمن مجدداً بأنه لن يعدم الوسيلة إن عزم على مواجهة عدوه، ما دام متسلحاً بإيمانه بحقه وبعدالة قضيته، وبيقينه بأن اليأس الساكن لا يغيّر حالاً ولا يصنع واقعاً جديداً ولا يعين على التقدم خطوة إلى الأمام في مسيرة التحرير الكبرى.