مؤتمر واشنطن . . الدوافع والأسباب

الأحد 11 مارس 2018 01:11 م بتوقيت القدس المحتلة

مؤتمر واشنطن . . الدوافع والأسباب

أعلن مبعوث ترامب للشرق الأوسط جيبسون غرينبلات في مقال نشره بصحيفة واشنطن بوست أن الإدارة الأمريكية تنوي عقد مؤتمر يوم 13 مارس الجاري في واشنطن حول قطاع غزة،  يركز على أفكار تتناول كيفية بناء اقتصاد قابل للحياة في غزة، على أن تؤخذ في الاعتبار الهموم الأمنية المصرية والإسرائيلية، مع التأكيد على استعداد الولايات المتحدة التام لدعم تلك المساعي وإلى جانبها الدول التي يهمها مد يد العون.

رفضت السلطة الفلسطينية المشاركة في أعمال المؤتمر، وأعلن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني رفض القيادة الفلسطينية للدعوة الأمريكية، مبرراً ذلك: “بأن غزة قضية سياسية بالدرجة الأولى وليست إغاثية أو إنسانية”، وأضاف مجدلاني: “أن اجتماع واشنطن الذي دعا له المبعوث الأميركي جيسون غرينبلات لم يأت من فراغ ولا لدواع إنسانية وإنما في إطار المشروع التصفوي لقضيتنا”.

ما بين الدعوة الأمريكية والرفض الفلسطيني، تطرح التساؤلات التالية:

ما هي دوافع الإدارة الأمريكية من عقد مؤتمر واشنطن الإغاثي لإنقاذ قطاع غزة؟.. ولماذا الآن؟.. وهل الرفض الفلسطيني للمؤتمر ثابت أم أنه يندرج ضمن تبادل أدوار لدفع حماس لمربع صفقة القرن؟.

أولاً: دوافع الإدارة الأمريكية لعقد المؤتمر في هذه المرحلة.

الولايات المتحدة حليف استراتيجي لإسرائيل، وداعم كبير لها، وهي من أصدرت مؤخراً وعدها المشؤوم بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، والراسخ في الذهنية الفلسطينية أن الولايات المتحدة من أفشلت التجربة الديمقراطية عام 2006م، وصنعت الفوضى الخلاقة، وأسّست  شروط الرباعية التي كانت أحد أهم مسببات الحصار على قطاع غزة منذ عام 2006م وحتى تاريخه.

فما الذي تغيّر في موقف الولايات المتحدة كي تعقد مؤتمرًا إغاثيًا لإنقاذ غزة؟.

أربعة تقارير أممية ودولية تحذر من حجم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، حيث صدر تقرير عن الأمم المتحدة وآخر من الأونروا، وثالث من منظمة الصحة العالمية ورابع من هيومان رايتس ووتش، وجميعها يحذر من قرب انهيار شامل في قطاع غزة.

إسرائيل تراقب المشهد، وتخشى انفجار شعبي كبير باتجاهها، وتدرك أن الواقع المأساوي في قطاع غزة قد يترتب عليه أمراض مجتمعية لن تبقى داخل القطاع، بل ستصل للاحتلال الإسرائيلي بأشكال مختلفة، وتجعل من قطاع غزة بيئة حاضنة للتطرف والإرهاب، وهذا أيضاً يضر السلام والاستقرار الإقليمي والدولي.

لذلك أدرك الجميع خطورة الموقف، ولأن المنطقة مقبلة على تمرير صفقة القرن، فأصبح انقاذ غزة هدف استراتيجي لأطراف عديدة، وهو ما دفع وزير الخارجية الأمريكية ريكس تيلرسون للاتصال بأطراف إقليمية لتقديم مساعدات عاجلة لقطاع غزة وتخفيف الحصار عليه، ووفق معلومات خاصة وصلت كاتب المقال فإن السفير القطري محمد العمادي التقط الرسالة وذهب للرئيس محمود عباس للموافقة على مشروع محطة كهرباء في قطاع غزة بتكلفة تصل إلى ستمائة مليون دولار، وقد أحال الرئيس عباس العمادي إلى رئيس الحكومة رامي الحمد الله، ورفض الحمد الله العرض القطري. إلا أن رئيس سلطة الطاقة الفلسطيني ظافر ملحم نفى تلك المعلومات.

إن أهم دوافع الولايات المتحدة لعقد مؤتمر إغاثة غزة هي:

تبريد جبهة غزة من سيناريوهات الانفجار الشعبي السلمي أو المسلح.

تحسين صورة الولايات المتحدة وإسرائيل في الوعي الجمعي الفلسطيني، تمهيداً لتمرير صفقة القرن.

الضغط على الرئيس محمود عباس للقبول بالصفقة الكبرى (صفقة القرن).

تهيئة المناخ الإقليمي والدولي لمشروع التطبيع بين إسرائيل والمنطقة، وحتى يمر هذا المشروع بحاجة لمرحلة من الهدوء والاستقرار، وغزة كمنطقة قابلة للانفجار تشكل تهديدًا مباشرًا على ذلك، لذا وجب تنفيسها وتخديرها لبعضٍ من الوقت.

ثانياً: حقيقة الموقف الفلسطيني ودوافعه.

لا يمكن مواجهة صفقة القرن إلا بموقف فلسطيني موحّد، الكل الفلسطيني يدرك ذلك، ويتحدث به، ولكن على الأرض المشهد مختلف، فما زال الانقسام قائماً، والمصالحة متعثرة رغم الجهود المخلصة التي تقوم بها جمهورية مصر العربية.

المثير للتساؤل في طبيعة الموقف الفلسطيني الرافض لمؤتمر واشنطن هو التناقض الواضح والصريح للقيادة الفلسطينية، وهذا التناقض يظهر من خلال قبولها الدعم الأمريكي للضفة الغربية ورفضه في قطاع غزة.  وفي الوقت الذي تتهم إسرائيل بحصار قطاع غزة، تنسى أو تتناسى أنها تفرض عقوبات لا تقل خطورة عن الحصار الصهيوني للقطاع، وهو ما تطلق عليه السلطة الفلسطينية مصطلح (الإجراءات العقابية)، تلك العقوبات التي أنهكت قطاع غزة، وتساهم في انهيارات مجتمعية لا يمكن علاجها حتى لو انتهى الانقسام، وزالت حماس عن الخارطة السياسية.

إن رفض القيادة الفلسطينية المشاركة في مؤتمر واشنطن الإغاثي لقطاع غزة كان سيشكل مبرراً لو اتخذ الرئيس عباس قراراً برفع العقوبات عن قطاع غزة، فمن أدار الانقسام لأحد عشر عاماً يستطيع إدارته لعام أو عامين آخرين من أجل تعزيز صمود الغزيين كي يقدروا على مواجهة صفقة القرن، فهم خزان الثورة، وإن نضب الخزان نتيجة التدجين المتعمّد من كل الأطراف، فمن يدري اتجاهات سلوكهم في المرحلة المقبلة؟.. نراقب ونتابع وننصح الجميع بألا يختبروا صبر شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة.