على "برش" العذاب.. قطعة من جمر الذكريات

الأحد 04 مارس 2018 01:15 م بتوقيت القدس المحتلة

على "برش" العذاب.. قطعة من جمر الذكريات
ساري عربي

ساري عربي

كاتب فلسطيني

في السنوات كلّها التي قضيتها سجينًا لدى الاحتلال؛ لم أخرج ولو مرة واحدة إلى عيادة السجن.. الأمر لا يقتصر على كوني لم أكن أعاني من أمراض مزعجة أو مخيفة، فلا ضغط (وقتها) ولا سكري، وباستثناء آلام ظهري المبرّحة التي تفاقمت في اعتقالاتي المتتالية، وقد اعتدت عليها وتصالحت معها، فإنّ الإنفلونزا والزكام لا يستحقان التضحية ورؤية وجه سجّان جديد في سحنة طبيب، ولكنني لم أكن أخرج حتى إلى عيادة الأسنان، وقد أخذَتْ أسناني تهترئ في اعتقالاتي المتوالية، وعلى أي حال لم أتنبه لأثر السجن على نظري وعلى شعري الآخذ بالتساقط إلا في آخر اعتقالين، والمهم في ذلك كلّه أنني ولا مرّة خرجت إلى عيادة السجن..

 
حسنًا، ما الذي جاء بهذا الحديث؟ أكتب هذه المقالة وأنا في الفراش، لعجزي عن الحركة جرّاء التهاب مفاجئ في مفصل ركبة كانت قد تضررت بسبب وقوعي عن شجرة زيتون قبل سنوات.. إنّ أكثر ما أعانيه لم يفرضه الزمن، وإنما حوادثه العارضة، فآلام ظهري المبرّحة أصلها وقوعي وأنا طفل صغير في حفرة عميقة، أمّا "الديسكات" الخمسة التي في ظهري ورقبتي فلا أدري بالضبط من أين جاءتني.

 
على ذكر الزمن، ربما كان هذا سببًا من أسباب أخرى تمنعني من الخروج إلى العيادة في سجون الاحتلال. بمعنى ما لعلي كنت أرفض الإقرار بتقدّمي في العمر، وأصرّ على قدرتي وأنا شابّ على مغالبة طوارئ الزمن، لست أدري إن كان هذا سببًا حقيقيًّا، فليس من عادتي الذهاب إلى الأطباء حتى وأنا خارج الاعتقال، فركبتي هذه أهملتها بعدما وقعت، وظهري لم أبحث عن سبب علّته وعلاجها إلا بعد خروجي من سجون السلطة.

آه. على ذكر سجون السلطة، كان الأمر مختلفًا. لقد خرجت مرات عديدة إلى الخدمات الطبية العسكرية، ومستشفى رام الله، ومستشفى أريحا، وأرجو ألا يفهم أنني كنت أخرج حرًّا وحيدًا بإرادتي، وإنما كنت دائمًا مقيّدًا محمولاً في سيارات الأجهزة التي كانت تحتجزني.

 
أُصبت بآلام قاهرة في بطني، كانت تلتف على ظهري، وباستثناء ما كان يصاحبها من ظهور حبوب متورمة على جسمي، أي تظهر أثناء الوجع فحسب، فإنني قدّرت بأنها حصى المرارة، لخبرة عائلتي بهذه العلّة، ودون جدوى لم تفلح خبرتي في إقناع الأطباء بأنها حصى في المرارة، وأنها على ما يظهر متقدمة وخطيرة، بدليل الأعراض الغريبة المرافقة لها، فلعلها أصابت الكبد بعلّة ما، ففي كل يوم كنتُ أقتاد للخدمات الطبية العسكرية، وفي كل مرة كان الأطباء يقدّرون مرضًا غريبًا، أذكر منها أن أحدهم قال لي إنني مصاب بالأميبا، وأنا أحاول يائسًا أن أقنعه بأنها المرارة، وهم في كل مرّة يصرفون لي دواء أشتريه على حسابي، وأحتسيه غير مقتنع، ولست أدري اليوم ماذا كنت أشرب طوال الشهور الأولى التي سبقت إجرائي عملية المرارة.

 
ليس من عادتي الحديث عن أمراضي، إلا في حالة واحدة في سجون الاحتلال، وهي ضرورة إظهار مشكلتي في ظهري، التي كانت تفرض عليّ وجعًا هائلاً عند الجلوس للأكل أو الجلي أو غسيل الملابس أو تنظيف الأرض أو حتى الكتابة أو أي عمل يتطلب قدرًا ولو ضئيلاً من انحناء الظهر، وقد بلغت المشكلة درجة لم يعد يمكنني فيها إمساك مصحفي الصغير والتمشّي به لمراجعة القرآن، إظهار مرضي كان ضروريًّا لإظهار عذري في عدم قدرتي على القيام ببعض واجباتي الاعتقالية، أمّا هذه الأيام، فأتحدث عن مشاكلي الصحية لإظهار عذري لدى من تربطني بهم التزامات عمل معينة، وما سوى ذلك فما كان يدري أحد بأنني أحمل في ظهري شقاء مزمنًا، تطور هذه الأيام إلى درجة أنني أضطر بعد كتابة المقالة القصيرة لراحة أيام متواصلة!


لكن دائمًا ما تكون سجون السلطة مختلفة، فآلام المرارة غر محتملة، والإنسان مهما تصبّر يظلّ ضعيفًا، وحصاة صغير في مرارته يمكنها أن تصرعه، وهكذا كنت أُصرع كل يوم، وفي كل يوم يقتادونني للخدمات الطبية العسكرية، وهم يفترضون في كل مرّة مرضًا عجيبًا، ويكتبون لي دواء جديدًا، وأنا أرجوهم أن يحيلوني لإجراء ما نسميه نحن العامة (صورة تلفزيون)، وهو على ما أظن ذلك الشيء الذي يدعى السونار، وسوف يتأكدون إن فعلوا أنني مصاب بحصى في المرارة!

أحيانًا كانوا يقتادونني إلى مستشفى رام الله، والأطباء في قسم الطوارئ يتعاملون مع حالتي على أنها دَلَعُ سجين يريد التخلّص من ضيق زنزانته، أو التحايل على "الشَّبْح" والفلقة، وما أزال أذكر أن أحد أطباء قسم الطوارئ رفض استقبالي وقال لهم "أكلما توجّع أحد من معدته صار يحتاج علاجًا؟!"، بالتأكيد نام هذا الأحمق وهو مرتاح الضمير في تلك الليلة!

  
في أريحا، على الأرجح تأكد مدير السجن من أن علّتي مستعصية وقد تكون خطيرة لو أهملوها أكثر؛ لأنه، وكما كنّا نقدّر نحن المساجين، كان يستمع إلى أحاديثنا مع أهلنا عبر الهاتف، فأمر بأخذي إلى مستشفى أريحا، وعدم إرجاعي إلا بعد علاجي، وهناك في مستشفى أريحا تأكدوا أنها حصى في المرارة، ويبدو أنّ مضاعفات تولّدت عنها، فقد رأيت من بعيد الطبيب يهمس في آذان السجانين بما بدا وكأنه أمر مريب، وفهمت أنّ عليّ المكث في المستشفى فترة للعلاج قبل إجراء العملية.

مبيتي في المستشفى هو العذاب كلّه، قيدوني بـ "كلبش" قصير في سريري، ليلاً ونهارًا، ويمكنك أن تتخيل كيف لي أن أنام وأنا على هذه الحال، وحتمًا لم أكن وحيدًا، فعندي بضعة عساكر يحرسونني، ويفكّون قيدي فقط للحمام والصلاة والأكل، وأسمع من همسهم أن المدير لا يريدني أن أموت عنده، فلن يرجعوني إلا بعد علاجي.. ذات ليلة، أشفق عليّ أحدهم، قال لزميله "فكّ قيده، ألا ترى عذابه في نومه"، ردّ عليه زميله "المدير غر مطمئن له.. يخشى هربه!".
   
جاء فرج عابر، تدبر أهلي واسطة أخرجتني لإجراء عملية استئصال المرارة خارج السجن، ثم العودة إلى السجن، وقد حصل هذا، أجريتها خارج السجن، وعدت للسجن، لأعود إلى قصص أخرى من العذاب والمعاناة، وبالرغم من أنّ خروجي كان بفضل تدخل إحدى مؤسسات حقوق الإنسان، فإنّ أحد الناس من المعارف خادع أهلي وأوهمهم بأنّه توسّط لي لخروج دائم، و"نَصَبَ" على والدتي بمبلغ من المبال، أكله سحتًا غير مكترث بتكسبه من وجع سجين، ومن قهر قريبة له قضت حياتها مفجوعة!

 
أمّا ظهري فلا تسأل، فـ "البرش" الذي كنت أنام عليه أكثر اعتقالي، أرضيته من لوح خشبي مقوّس، كنت أقلبه، فأنام مرة في بطنه وكأنني في قعر واد، ومرة على ظهره وكأنني على حافة هاوية، وهذ طبعًا بعد انتهاء جولات "الشبح" وما يشبهها!

 
ماذا أستفيد من رواية هذه القطعة من العذاب؟! سوى أنها قطعة من تأملاتي في حياة الإنسان البائس الذي خُلق ضعيفًا "وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا" والذي ما من طور قوّة له إلا ويتبعه طور ضعف "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ"، ثم أن أتذكر آلاف البشر الذين يعانون أضعاف هذه المعاناة، ثم أن أتذكر القدر الذي يمكن أن ينحط إليه الإنسان بطغيانه رغم ضعفه وهشاشته!