مناعة لازمة لصد التزييف

الأربعاء 14 فبراير 2018 09:44 م بتوقيت القدس المحتلة

مناعة لازمة لصد التزييف
لمى خاطر

لمى خاطر

كاتبة سياسية

​ كلما عاد جمهور بيئة ما إلى وعيه الفطري، وإلى إيمانه النقي بالأفكار ذات القداسة، وتصالح مع المفاهيم الأساسية التي تبناها قديما قبل أن تتصحر في قلبه بفعل تقلبات الزمن وأزماته ومآسيه، وجدنا من يحلو له أن يصادم هذا الوعي بمفاهيم مناقضة، وأن يعبث بحالة الإجماع على القيم السامية كالبطولة والشهادة وجدوى الفعل المقاوم.

وتجار المواقف يضطرون أحيانا لمجاراة المزاج الشعبي المنحاز لفعل التضحية وحالة الشهادة، لكنهم لا يتورعون عن تمرير سمومهم الفكرية حتى وهم ينظّرون على هامش مثل هذه الأحداث، مثالُ ذلك ادعاء أنّ طلب العلم أعلى مراتب الجهاد، وأن استشهاد الشباب المقاوم في أعمار صغيرة خسارة لهم ولأوطانهم، وأن المقاومة المسلحة لم تعد تناسب المرحلة وتفقدنا التعاطف الدولي، وأن بإمكانك أن تكون مناضلا مخلصا لوطنك ومساهما في تحريره دون أن تضطر لانتهاج أقصر الطرق لذلك، وحتى لو كان همّك الوحيد ذاتك وصناعة نجاحاتها الخاصة ومكاسبها التي لا ينتفع منها المجموع.

كل هذه ادعاءات يمكن تفنيدها بسهولة، حتى وإن كانت تُطرب من خالج نفوسهم سقم أو هوى، والناس بطبيعتها تنساق خلف التعابير البراقة ولا تتمعن في مدى صوابيتها، أو تنحاز تلقائيا لما يتوافق مع طاقتها ويناسب مقاسها فكريا أو سلوكيا، فمرتكبو المعاصي يلوذون بكل فكرة تهون من شأنها، والجبناء لا يحفظون من تراث العرب سوى ما يحض على الحكمة وينفر من التهور والحماس، ومع ذلك لا يلبث كثيرون أن يراجعوا شيئا من قناعاتهم السلبية حين يتفاعل أمام أنظارهم حدث عظيم، لأنه يضعهم مباشرة أمام طراز من الأسئلة التي تمسّ جدار الضمير، وتحاوره بتجرّد في لحظات صدق نادرة مع الذات.

ولكن يظل هناك دائما من يحمل همّا مناوئا للفضيلة، بتجلياتها المختلفة، لأنه لا يطيق متطلباتها، أو لهوسه بأن يبدو مختلفا وأكثر وعيا وعمقا من غيره، على سبيل المثال ستجد أحدهم يستفزه أن الفلسطينيين يقصرون كلمة مناضل أو مقاوم على منفذي العمليات من شهداء وسجناء لدى الاحتلال الصهيوني، فيشرع باستعراض أشكال كثيرة للنضال السياسي والثقافي والفني، مستعرضا التحديات التي تجابه هذه الأنماط النضالية، وآخر يوحي لقرائه بأن استعجال الشهادة هروب من الحياة ومن الوطن الذي يحتاج أبناءه أحياء.

مثل تلك المفاهيم يصعب أن توسم بالخطأ المطلق، أو أن تحاط بالتشكيك لو جاءت في سياقات طبيعية، بل ستكون قابلة للنظر والنقاش، ذلك أن مشروع المقاومة بمفهومه العام يستوعب جهودا متنوعة لا تقتصر على الفعل العسكري، ولكن السؤال التشكيكي حول تلك المفاهيم يغدو مشروعا حين تتكثف تحديدا على هامش أحداث البطولة والشهادة التي يحتفي بها الناس عادة، وتحتل جانبا كبيرا من اهتمامهم ومتابعتهم، وحين يكون واضحا أن المطلوب تجفيف الروح المعنوية من منابعها التعبوية المحرضة على القتال والممجدة للشهادة.

إن الله سبحانه وتعالى الذي خلق الناس يعلم أن القتال ثقيل على نفوسهم، ولذلك قال :"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ"، ثم قرّر أن هناك تفضيلا في الأجر والدرجات للمجاهدين على القاعدين، وخصّ الشهيد بمنزلة خاصة، واستثناه من وصف الموت الذي يجري على كل الناس، أي أن الإقرار بأن المجاهد والشهيد مختلفان عن بقية الناس تأكيد رباني قبل أن يكون مظهرا من مظاهر الاحتفاء البشري، وهو يعني أنه أمر ينبغي ألا يكون محلّ مساومة فلسفية، وألا يراه بعضهم مفهوما أرضيا متوارثا يستحق التغيير.

تلك حقائق ربانية لا يجوز الالتفاف عليها عبر ادعاءات عصرية سقيمة تروّج لمفاهيم مناقضة لها من طراز أن الحياة في سبيل الله أصعب من الموت، فلا شيء يتقدم في المشقة على خوض طريق يعرف سالكه أنه مفضٍ إلى الموت، ولو سأل المرء داخله بصدق عن تلك الحقيقة لأبصر فيها جيدا مدى صعوبة اتخاذ قرار يترتب عليه إنهاء الحياة الدنيوية، بل ما هو أدنى من ذلك من تضحيات.

حتى لو قصرت همة المرء عن بلوغ تلك المراتب فلا أقل من أن يحفظ للمفاهيم الرفيعة قداستها ولا يلوثها بما يعاكسها من تعابير براقة المظهر وخاوية المضمون، فصيانة قيم الفضيلة والتضحية من العبث، وإنشاء مناعة ضد التزييف سيظل أمرا ضروريا والحاجة إليه قائمة، لأن اعتناق المفاهيم الجليلة أول خطوة على طريق الأفعال الكبيرة والانعطافات العظيمة في مسيرة الفرد والمجموع.