بندقية يتيمة ونياشين متشابهة

الأربعاء 24 يناير 2018 07:48 م بتوقيت القدس المحتلة

بندقية يتيمة ونياشين متشابهة
لمى خاطر

لمى خاطر

كاتبة سياسية

وحدها الأشياء الشحيحة أو النادرة، أو التي تحمل في جوهرها معنى الفرادة مَن تملك إحداث العلامات الفارقة في جبين التاريخ، ويتعاظم فعلها حتى تحلّ فيه البركة، ويفيض عطاء على ما حوله، مانحا الحياة واللهيب للمعاني الجامدة، والمبادئ النظرية، والقيم الساكنة، والرماد التائه عن جمره وأصله وشكله الأساسي.

وممكن جدا أن يؤسس فعل متواضع الأدوات لمجد عظيم، أو يقود إلى أفعال أكبر، أو يستدعي هطولا متواصلا للغيث، بعد جدب طويل وانتظار متعب. كما يمكن للأشياء المتشابهة الوفيرة ألا تفعل شيئا، حتى لو كانت بنادق آلية بعيدة المدى وقريبة من متناول حمَلتها، ومرئية للرائح والغادي. إنما قد تبدو نحيلة هزيلة مقابلَ نظيرتها البدائية والمصنعة محليا وصعبة الاستخدام، والمحرّمة على الظهور، وغير الموسومة بختم ترخيص الأعداء.

للبندقية اليتيمة في فلسطين، وفي الضفة الغربية تحديدا، حكاية قديمة وطويلة، اقتاتت دم وأعمار كثير من الرجال الذين ما أسقطوا مشعل الواجب، ولا فرطوا في عهودهم، أما هي فبندقية بسيطة الملامح، قليلة المتطلبات، رغم أن حملها مكلف ومفض إلى الشهادة أو الاعتقال الطويل، إنها تشبه بندقية أحمد إسماعيل جرار الشهيد، وأحمد نصر جرار المطارَد والمشاغِل دولة كاملة بجيشها ومخابراتها، وهي تشبه بندقية (الجبارين) الثلاثة الذين حملوها إلى قلب القدس، وبندقية نشأت ملحم، وعبد الباسط الحروب ومحمد الفقيه، وقبلهم نشأت الكرمي ومأمون النتشة وعلاء أبو دهيم، ومثلها مسدس مصباح أبو صبيح ومعتز حجازي، وغيرهم آخرون من القابضين على جمر الفداء في قلوبهم.

هذه البندقية اليتيمة لا تموت، قد تتجرد من رصاصاتها أحيانا لضيق ذات اليد ويهزل جسدها حتى تغدو نصل سكين، لكنه يظل منتصبا وسط العتمة ليقول إن روح الجهاد في فلسطين لن تخبو، وإذا هرمت تستحيل حجارة تطارد جيبات الاحتلال لتقيم -قدر ما تستطيع- أودَ معادلة البقاء إذا اختلت أو انثنت، "وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ".

البندقية اليتيمة لا تنتظر أن تعلَّق النياشين على أكتاف حامليها، ففي الضفة الغربية حيث تتعدد أنواع وأسماء الدرجات العسكرية الممنوحة لحملة البنادق المتشابهة الساكنة، تتخذ رتبهم ونياشينهم شكلا واحدا جامدا، مدموغا بالخيبة واستطابة الهوان، وحفظ حدود الدور الذي لا يتجاوز تمثيل مظاهر السيادة العسكرية، وإحناء الهامات أمام انتهاكات الأعداء.

البندقية اليتيمة في الضفة الغربية والقدس تعرف فرسانها جيدا، تميّزهم من لون عيونهم ولمعة العزم فيها، تعرف كنه السر المخبوء بين ضلوعهم دون أن يتكلموا، تنتقيهم من بين الآلاف وتدلّهم على الطريق، لكنها أيضا تعرف كيف تُعرض عن المتشابهين في لون عيونهم الباهت، وأهدافهم السقيمة، ومدى بنادقهم الواطئ، ورتبهم العسكرية الخالية من المعنى، وغير القائمة على أي إنجاز، وشكل بزّاتهم المتخذة لونها الجيشي المعروف، والقابل للتحول والتحور والتغير إذا ما هبت عليه ريح أو فاجأه شتاء أو مسه حرّ صيف.

لكن البندقية اليتيمة ليست عاقرا، لأنها قد تنجب مثيلات لها، أو تستنسخ فعلها، إن وجدت من يليق بأن يكون من أهلها، فشروط حملها عظيمة ومكلفة ومرهقة، ولا يقدر عليها إلا الكبار الاستثنائيون، وهؤلاء ستظل كل المراحل تجود بهم، حتى وإن شح عطاؤها، وتضاءلت نجومها، أو طلع روادها مع استدارة البدر مرّة كل شهر.

كما أنها ليست مقطوعة النسب، فثمة آلاف تشبهها في بقعة فلسطينية أخرى اسمها غزة، لكنها آلاف حية، ومفعمة بالعطاء، والطموح، والإرادة، فهذه البنادق الحية المتناسلة في أكف الأوفياء اختبرت في حروب غزة البرية، فردّت عدوان جيش مدجج بالعتاد، وصدّت عشرات الاجتياحات، وكسرت قيود مئات الأسرى، وهي اليوم تتخيّر فرسانها، وتنتجب أروعهم للمهمات الصعبة، وتستثمر عدّتها في الأباة وحدهم، وتدّخر فيهم لهيبها ودويّ رعودها وكلّ شهامتها.