الصراع على الأنفاق

الأحد 14 يناير 2018 10:10 ص بتوقيت القدس المحتلة

الصراع على الأنفاق

ابرز الاسرائيليون في الفترة الأخيرة قدراتهم التكنولوجيه وغير التكنولوجية في كشف أنفاق المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وذلك على خلفية ما يعتبرونه نجاح لهم في تدمير وتحييد نفقين استراتيجيين في الأسابيع الأخيرة الماضية مما دعاهم للإعلان بأن عهد الأنفاق قد ولى ، وأن حماس تبحث عن بدائل جديدة في البحر والجو من أجل التعويض عن خسارتها لهذا السلاح الهام و الكبير، فما هي حقيقة هذا الموقف الاسرائيلي؟.

يرى وزير الدفاع الاسرائيلي ليبرمان وفي مقابلة له مع يديعوت أحرنوت 17/12/2017 أن حماس تخشى المواجهة العسكرية، وذلك لأن اسرائيل باتجاه حرمانها من كل الأنفاق الهجومية على حد زعمه ،ولقد عارض وبنوع من الاستعلاء قيام جيشه بقتل اكثر من 17 فلسطينيا في الآونة الأخيرة كما استعرض موقفه الرافض لاستمرار تساقط الصواريخ على الأهداف الاسرائيلية دون أن يوضح مبررات رد الكابينيت المنضبط نسبيا على ذلك وفي مقابل هذا أكد قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الاسرائيلي سابقا تال روسو في مقابلة مع القناة 13 في التلفزيون الاسرائيلي قبل أيام أن مشكلة الأنفاق لم تنتهي بعد وأن التكنولوجيا الاخيرة وبعكس الشائع في وسائل الاعلام لم تحل المشكلة بشكل كامل ، مما يؤكد وجود اهداف اخرى مثل الحرب النفسية المعتمدة على المبالغة في حجم الانجاز الاسرائيلي في مجال الانفاق .

ولتأكيد هذه القدرات نشرت وسائل الاعلام الاسرائيلية في الايام الاخيرة صورا استعراضية لما اصبحت تسميه بمنظومة كشف الأنفاق - للتذكير بمنظومة القبة الحديدية - والقادرة على تجميع معلومات حول انفاق المقاومة ومن ثم تشخيص النفق من خلال عملية الحفر العميق ثم في المرحلة الثالثة يتم إدخال آليات خاصة او ريبوت صغير لداخل النفق لاهداف متعددة، ثم تأتي المرحلة الرابعة والاخيرة وهي تفجير او اغلاق النفق بصورة تجعل صلاحيته للاستخدام مستحيلة وقد اشارت يديعوت احرنوت 11-12 بان شركة إلبيت للصناعات العسكرية الاسرائيلية هي المسؤولة عن تطوير هذه المنظومة . تسعى اسرائيل وعلى ما يبدو لادخال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في حالة من الخوف والارباك ، وخاصة بما يتعلق باستمرار جهودها في تطوير وبناء سلاح الانفاق الذي شكل تهديد استراتيجي لها وخاصة في حرب 2014 فاسرائيل ترجو من ذلك ان تترددومن المحتمل أن تتباطىء عن بناء الانفاق طالما شعرت أن اسرائيل قد وجدت -وفي نهاية المطاف-الحل السحري لمشكلة الانفاق الاستراتيجية ،إلا أن حماس لم تظهر حتى هذه اللحظة إي نوع من أنواع الخوف أو الإرباك أو التردد في المضي قدما في تطوير مشروع الانفاق .

قد تحقق اسرائيل من خلال عزوها تدمير نفقين استراتيجيين في القطاع في الاونة الاخيرة وبفترة قياسية نسبيا الى التكنولوجيا المتقدمة هدفا اخر عدا عن الهدف النفسي وهو التمويه والتغطية على قدرات اخرى لها في مجال الاستخبارات ، أي تمكنها من اختراق منظومات معينة للمقاومة ، من خلال عناصر بشرية او تكنولوجيا الاتصالات والتنصت ، وبالتالي حصولها على معلومات قيمة ادت للتوصل لهذين النفقين وتدميرهما مع احتمالية توصلها الى معلومات مستقبلية اخري ، وقد اشار رئيس الاركان ايزنكوت الى دور الجهد الاستخباراتي في ملاحقة الأنفاق دون ان يركز الاعلام على ذلك كما ركز على التكنولوجيا المتطورة .

ومن جهة أخرى إن اصرار اسرائيل على المضي قدما في بناء جدار "تحت أرضي" والذى تبنيه حاليا حول القطاع، وتزعم أنه سيتمكن بعد الانتهاء من إنشائه من إغلاق حدودها مع قطاع غزة بشكل كامل ، مما يمنع إختراق الأنفاق الهجومية لهذه الحدود ، إن هذا يطرح العديد من الاسئلة حول القدرات الحقيقية لتكنولوجيا كشف الأنفاق المزعومة ، فما هي الحاجة الامنية لإنفاق أكثر من 60 مليون دولار ، والمخاطرة بتصعيد مع المقاومة في غزة من خلال استمرار بناء الجدار "التحت أرضي" إن كانت التكنولوجيا تحل مشكلة الانفاق كما تدعي اسرائيل .

من الممكن أن يكون لاستعراض اسرائيل لقدراتها في مجال الأنفاق أهدافا اقتصادية تتعلق برغبتها في تشغيل صناعاتها العسكرية من خلال تصدير أسلحتها ، الامر الذي تعتبره استمرارا لدبلوماسيتها الهادفة لإنشاء تعاون وتحالف مع العديد من دول العالم ، فهي تهدف لتسويق منظومة أمنية جديدة تعتبرها رائدة في محاربة سلاح الأنفاق ، ولقد أشار ليبرمان لهذا المعنى قبل أيام في تصريح لمراسل يديعوت أحرنوت أن دولا عديدة طلبت معلومات ولكن اسرائيل لا ترغب حاليا في بيع هذه التكنولوجيا لحين إكمالها على حد زعمه .

يظهر موقف المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة من الادعاءات الاسرائيلية السابقة ذكاءا معينا ، حيث لم تستدرج للرد على هذه الادعاءات بالنفي أو التأكيد ، ولم تسهم بهذا في تعزيز الدعاية الاسرائيلية ، وفي المقابل أظهرت المقاومة ثباتا ووضوحا في موقفها من استمرار مشروع المقاومة بكل أدواتها واعتمادها على سلاح الأنفاق الاستراتيجي للدفاع عن غزة ، كما أنها لم تتدخل جديا في تعطيل مشروع الجدار "التحت أرضي" بإدراكها قواعد الاشتباك مع العدو ، ولثقتها على ما يبدو بما تمتلكه من وسائل تتجاوز العقبات الاسرائيلية .