سيادتهم وسيادتنا!

الأربعاء 27 ديسمبر 2017 09:29 م بتوقيت القدس المحتلة

سيادتهم وسيادتنا!
لمى خاطر

لمى خاطر

كاتبة سياسية

في ذلك اليوم من حزيران/ يونيو 2014 كان قد مرّ أسبوع على حادثة اختطاف المستوطنين الثلاثة في الخليل، وكان إضراب الأسرى الإداريين في سجون الاحتلال لا يزال ماضياً وقد اقترب من إكمال الشهرين، كان يوم جمعة، وهناك مسيرة تضامن مع الأسرى المضربين تستعد للخروج بعد الصلاة من مسجد "الحسين بن علي" في مدينة الخليل، رغم أن المدينة كانت تتعرض لاقتحامات مكثفة من جيش الاحتلال للتمشيط والاعتقال بحثاً عن المستوطنين.

خرجت المسيرة من المسجد، وكانت المفاجأة أن تمت محاصرتها سريعاً وقمعها من عناصر الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية.. وبينما القمع على أشده، من ضرب واعتقال للمشاركين، إذا بتلك العناصر الأمنية تنسحب فجأة من الشارع في غضون دقائق؛ ليتبين بعد ذلك أن السبب كان إفساح المجال لمرور دورية لجيش الاحتلال الصهيوني من المنطقة بعد انسحاب أجهزة السلطة.

هذه الحالة الأمنية تسمى في الضفة الغربية "صفر -صفر" ويتم بموجبها إخلاء الشوارع من كل مظهر أمني للسلطة قبل اقتحام الاحتلال لها، وهي تتم بعد تنسيق بين الجانبين، أو على الأدق بعد أن يُعلِم جيشُ الاحتلال قيادةَ الأجهزة بنيّته اقتحام المنطقة، ما يعني أن على عناصرها لزوم مقراتهم وعدم الظهور في الشوارع.

تلخص تلك الحادثة جانباً من مظاهر سيادة السلطة ونقصها في الضفة الغربية، حيث تَحْكم وتشيّد بنيان دولتها الموهومة، فهذه السيادة لا تتجلى كاملة وحاسمة إلا عند الحاجة إلى قمع تحرك أو إسكات معارض أو محاكمة مقاوم، بينما تتلاشى تماماً أمام الاحتلال وتبقى حبيسة مقرّاتها، حتى لو كان المكان المستهدف باقتحام الاحتلال لا يبعد سوى بأمتار عن تلك المقرّات.

قبل يومين، صفعت الأخبار أحلام سيادتنا المزعومة بتوجّه حزب الليكود الصهيوني المتطرف لعقد مؤتمر يطالب فيه بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات فيها دونما حدود؛ ومعلوم أن مثل هذه الخطوة -إن أُقرّت- لن تختلف عن خطوة ترمب بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، أي أن الخطوتين لم تأتيا بجديد، فمثلما أن القدس محتلة بالكامل وتعدّ في عُرف الصهاينة المدينةَ المركزية والعاصمة الأبدية، فإن الضفة الغربية عملياً خاضعة بالكامل للاحتلال الإسرائيلي وسيادته وليس فيها منطقة محرمة ولا يوجد لعملياته الأمنية فيها خطوط حمراء، ورغم ذلك، فإن هذا التوجّه الجديد سيقدم دليلاً إضافيا على استهتار الصهاينة بشركائهم من الفلسطينيين (أي السلطة الفلسطينية) في عملية السلام، بل وبكلّ المجتمع الدولي الذي صوت قبل أيام ضد قرار ترمب.

هذا الطراز من السيادة الغاشمة مستمَدّ من واقع القوة ومتفرع عنها، ثم من تصوّر الاحتلال لدور السلطة الحقيقي، وهو دور لا يتجاوز الاعتبار الأمني، بمعنى أن قيمة هذه السلطة وضرورة وجودها تعادل فقط مقدار الأمان والاطمئنان الذي توفّره للصهاينة، ولذلك كان الاحتلال يبدو مزهوّاً جداً وهو يعدّد فضائل الأجهزة الأمنية في إجهاض الخلايا المقاومة وتحييدها عن الفعل، وشامتاً مقهقهاً وهو يتابع مظاهر السيادة الشكلية التي تمارسها السلطة، والتي ترجمتها فقط الاستقواء على شعبها في الضفة والإمعان في معاقبة غزة ومحاصرتها ومراكمة أزماتها.

وسط كل ذلك، تمضي قيادة السلطة الفلسطينية في تثاؤبها وتثاقلها، فلا تقابل تلك الصفعات المتتالية إلا بمزيد من البلادة والبرود في مواجهة الاحتلال، كأن يخرج علينا بعض قادتها بالقول إنهم يدرسون إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال، فهذه السلطة لديها وقت لتدرس خيارات عبثية أخرى تجترّ فيها خيبتها، ولتتأنى وتشذّب غضبها، أما حين يتعلق الأمر بإجراء ضد شعبها أو في ما يخص العلاقة مع غزة، فالتصريحات النارية سيدة الموقف، وكذا ردود الفعل الحاسمة، والتهديد والوعيد يحضران بلا سبب، والتوتر يظل قائماً ودون أن يفسح للعقلانية مجالا.

ذلك هو الفرق بين سيادة أعدائنا وسيادة سلطتنا، فهذه الأخيرة يغلّفها الادعاء واستغفال العقول، ويرسم حدودَها مَن منحها مظاهر السيادة الجوفاء ابتداءً وحملها على اعتناق وهم الحكم والسيطرة وإحكام القبضة وممارسة السيادة، لكنه لم يتوانَ عن صفعها وتركها معلّقة في الهواء حينما حانت لحظة اللعب على المكشوف، وانتفت الحاجة إلى التمثيل على مسرح المفاوضات.