ترمب والقدس.. انتهاك عروس عروبتنا

الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 12:52 م بتوقيت القدس المحتلة

ترمب والقدس.. انتهاك عروس عروبتنا

عروس عروبتنا منتهكة منذ عام 1967، وما كان علينا إلا أن نسترق السمع والنظر من خلال شق الباب أو من خلف الشباك. أما الآن فيبدو أننا سنستجدي المشاركة في الانتهاك.

هل كان السعوديون على علم بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيعترف بالقدس عاصمة للصهاينة عندما استدعوا محمود عباس رئيس السلطة المنتهية صلاحيته؟ ولماذا طرحوا عليه أبو ديس عاصمة لو لم يكونوا على علم؟ وربما أعلموه بما يعلمون.

لكن عباس لم يعد من الرياض ليخبر الشعب الفلسطيني بما جرى قبل الاستدعاء وبعده، وكان على الشعب الفلسطيني أن يعلم ببعض ما جرى من الإعلاميْن الصهيوني والأميركي. وهذه إحدى سمات القيادات الفاشلة؛ فهي تطوي المعلومات وتُبقي من تشرف على شؤونهم في الظلام والجهل. كان المفروض أن يعرف الشعب الفلسطيني، وأن تُطرح عليه أفكار بشأن خيارات يمكن أن يتبناها في مواجهة الصلف الأميركي.

على أية حال، لم تكن المفاجأة في المبدأ وإنما في التوقيت؛ فقد سبق للكونغرس الأميركي بمجلسيه أن صوت على الاعتراف ونقل السفارة الأميركية من مستوطنة صهيونية إلى القدس، وسبق لرؤساء أميركيين أن صرحوا بنواياهم المتعلقة بنقل السفارة لكنهم لم ينفذوها.

ترمب وعد بما قرر، لكنه ترك التوقيت مفتوحا لتقديره الخاص؛ وكما يبدو، بدون مشاركة وزارة الخارجية الأميركية. لقد أعلنت وزارة الخارجية المعنية مباشرة بالاحتكاك بدول العالم أن مسألة الاعتراف بالقدس عاصمة للصهاينة من شؤون البيت الأبيض، الأمر الذي يشير إلى خلاف ما داخل الإدارة الأميركية.

الاطمئنان الأميركي

الرئيس الأميركي كان هادئا تماما عند إلقاء خطابه حول القدس، ولم يتردد ولم يتلعثم، وألقى خطابه بانسيابية تامة دون أن يلتفت خلفه غير مكترث بما يمكن أن يصدر من ردود فعل، كان مطمئنا إلى ضعف الفلسطينيين وكل العرب الذين يمكن أن تهمهم قضية القدس.

الفلسطينيون منقسمون ويتاجرون بضعفهم ويستجدون، والأنظمة العربية تطلب ودّ الولايات المتحدة على طول الزمان، وأغلبها يهرول نحو إقامة علاقات طيبة مع الكيان الصهيوني وعلى رأسها ملكة المال السعودية. وأيضا الأنظمة العربية في أغلبها لا تستطيع أن تخرج من تحت المظلة الأمنية والعسكرية الأميركية، وبعضها يستجدي المال ليكون قادرا على صرف رواتب آخر الشهر.

إن أغلبيتها أنظمة عميلة ومأجورة أو أنها مجرورة من ناصيتها إلى بيت الطاعة الصهيوني والأميركي. واطمأن ترمب إلى أن البلدان العربية التي يمكن أن تكون لها كلمة تحدٍّ أو موقف عزة لا تقوى على شيء الآن، وأكثر ما تستطيع فعله هو الصمت أو الإدانة الخجولة.

سوريا والعراق بحاجة لوقت طويل حتى يتمكنا من الوقوف على أرض صلبة، ومصر مشغولة بسيناء، والسعودية تستحث الخطى نحو الكيان الصهيوني وتعمل جاهدة على التحالف معه في مواجهة العدو الجديد، وباقي الدول العربية ذات أدوار غير فاعلة بصورة واضحة في الساحة العربية.

الجانب الفلسطيني الرسمي لا يخيف أحدا، فهو أثبت جدارته خلال أكثر من عشرين عاما في ملاحقة المقاومين، وملاحقة كل من يتعرض للأمن الصهيوني، وأثبت قدرته على تدجين جزء كبير من الشعب الفلسطيني وتحييد الفصائل الفلسطينية. ومن ناحية محور المقاومة، يعلم ترمب أن هذا المحور جاهز للدفاع، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الهجوم لا سياسيا ولا عسكريا.

بالقطع، كان الرئيس الأميركي يدرك أن موجة عارمة من الإدانات ستتبع قراره، ولا بد أنه استعان بتقييم الصهاينة لأهمية هذه الإدانات ومدى تأثيرها. وعادة يعلم الصهاينة أن كثرة الإدانات وما شابهها من عبارات تشكل رسالة طمأنة لهم ولمن حالفهم، إذ إن العاجز يغطي عجزه ببعض الألفاظ الساخنة المنمقة والخالية من المضمون.

والأميركيون أنفسهم يخترقون الأمة العربية في كافة بلدانها، وهم يعلمون بقدرات هذه البلدان والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه في إغضاب الولايات المتحدة. وعبارات الإدانة والشجب والاستنكار تشكل علامات مميزة في السلوك السياسي العربي، ويستخدمها العرب كنوع من إسقاط الواجب وليس لترجمتها على أرض الواقع.

تبيان الموقف ضروري، لكن في حالة الصراع الدائر في المنطقة على مدى عشرات السنوات، يجب أن تنطوي الألفاظ على عمل. الحاكم العربي يستنكر ثم يذهب إلى الفراش ليغط في سبات عميق، وهذه المرة لن تختلف عن المرات السابقة. ستحصل في الساحة العربية حملات استنكار وتنديد واسعة بما فعله الرئيس الأميركي، لكن بدون مضمون أو تبعات عملية.

الحراك الجماهيري

من الصعب أن نلمس موقفا عربيا عمليا في مواجهة الغطرسة الأميركية، فقط يمكن أن نرى بعض التلكؤ في القيام بزيارات إلى البيت الأبيض، لكن الحكام الذين استنكروا سنجدهم -في وقت ليس ببعيد- يحجون إلى واشنطن من جديد.

اعتاد الكيان الصهيوني والعديد من دول العالم على أن العرب يبدعون في عبارات الشجب والشتائم، لكنهم لا يعملون على إعداد مسارح للعمليات، ولا يتجهون للبناء العملي لمواجهة التحديات، سواء أتت من الأعداء أو من جوانب داخلية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية. وتقديري أن التقييم الصهيوني للموقف العربي صحيح إلى حد كبير؛ فهل سنشهد تحولا هذه المرة؟

شهد المسرح العربي حراكا جماهيريا في عدد من البلدان العربية؛ ففي فلسطين خرجت الجماهير تواجه الاحتلال بالاحتجاجات عند نقاط التماس خاصة، وخرجت جماهير في تونس والعراق ولبنان وغيرها. وهذه الجماهير التي تظاهرت ورفعت اللافتات والأعلام الفلسطينية هي التي تشكل رصيدا للشعب الفلسطيني دون الحكام.

لكن من المستبعد أن يستمر هذا الحراك لأن البيئات السياسية العربية ليست مهيأة لحركة شعبية دفاعا عن قضايا عربية. ربما تجد هذه الجماهير من يحتضنها إذا كانت تريد فتنة، لكنها تبقى يتيمة إذا كانت وطنية أو قومية أو دفاعا عن قضية عامة.

الحكومات العربية ليست معنية باحتضان جماهيري لنصرة القضايا العربية. نجد هذه الحكومات مستنفرة وأجهزتها الأمنية متوثبة لحشد الناس دفاعا عن نظام الحكم وليس عن الوطن والمواطن.

إذا كان لحركة الجماهير أن تستمر فإن على جماهير الفلسطينيين أنفسهم تغذيتها باشتداد مواجهتهم للعدو، ورفضهم القاطع للتعامل مع الولايات المتحدة. من المطلوب أن يستمر الفلسطينيون في نشاطهم ضد الاحتلال وتصعيده بما في ذلك المقاومة المسلحة.

المقاومة المسلحة ممكنة في قطاع غزة رغم أن القطاع مثقل بضيق العيش والحصار المضروب عليه. أما في الضفة الغربية فالطرق مسدودة من قبل السلطة الفلسطينية التي ما زالت تنسق أمنيا مع الاحتلال، وتحارب كل من يقاوم أو يفكر في المقاومة المسلحة.

وبإمكان الجماهير الفلسطينية أن تؤثر في جماهير البلدان العربية بالتواصل الذي يمكن أن يتم بوسائط متعددة، وتحرضها على الوقوف في وجه السياسات الرسمية الكابحة للتضامن الجماهيري العربي. أما الضفة الغربية، فلا أرى -ضمن الظروف السائدة الآن- أن الفرصة مواتية لتصعيد النشاط الجماهيري فيها ضد الاحتلال.

النشاط بحاجة إلى بيئة سياسية واجتماعية حاضنة، وبيئة الضفة أتت عليها السلطة الفلسطينية وأحدثت فيها خللا واسعا بحيث لم تعد صالحة، فضلا عن أن الحركة الجماهيرية بحاجة إلى قيادة تتمتع بثقة الجماهير، وهذا غير متوفر في الضفة الغربية. الناس في الضفة إجمالا لا يثقون بالسلطة ولا بقيادتها، وإذا غابت الثقة غاب الالتزام.

والمقصود أنه من المتوقع أن تخف حدة المشاركة الجماهيرية في عملية الاحتجاج التي شهدناها في اليوم الأول بعد خطاب ترمب، إلا إذا دخلت عناصر جديدة على المشهد مثل عمليات عسكرية مؤثرة في مواجهة الاحتلال، وتراجع السلطة الفلسطينية عن الاعتراف بالكيان الصهيوني، ونبذ اتفاق أوسلو، ورفض دور الولايات المتحدة في البحث عن حل للقضية الفلسطينية.

الردود المناسبة

من الممكن أن نشهد عمليات فردية في مواجهة الاحتلال على نمط استعمال السكاكين أو الأسلحة النارية، ومن الوارد جدا أن يقوم أفراد بالانتقام من الكيان الصهيوني والنيل من جنوده، وزعزعة استقرار بعض مدنه ومستوطناته، ومن الوارد جدا أيضا أن يتم قتل بعض الصهاينة واستشهاد بعض الفلسطينيين.

لكن ضمن المعطيات القائمة، هناك شك في أن تتطور هذه الأعمال إلى ظاهرة أو إلى أزمة تقض مضاجع الصهاينة ومن والاهم. إذا تمكن الفلسطينيون من صناعة أزمة للكيان الصهيوني أو للولايات المتحدة، فإن الإدارة الأميركية ستفكر في التراجع عن خطواتها العدوانية.

هناك ثلاثة أطراف عربية تعترف بالكيان الصهيوني، وهي: السلطة الفلسطينية والأردن ومصر. هذه الأطراف استنكرت، لكنها فشلت -حتى الآن- في إضافة خطوات عملية إلى استنكارها؛ فالاعتراف بالكيان الصهيوني يعني ضمنا الاعتراف بما يختاره عاصمة له.

من يعترف بدولة عضو في الأمم المتحدة وذي سيادة لا بد أن يعترف ولو ضمنا بعاصمتها. وسبق لرئيس مصر أن زار القدس وهي تحت الاحتلال، وسبق لمسؤولين أردنيين وفلسطينيين أن عقدوا اجتماعات مع صهاينة في مدينة القدس.

ألا يشكل ذلك اعترافا بشرعية احتلال القدس؟ بلى يشكل، وكل هذا الاستنكار والكلام الساخن لا ضرورة له، وعلى الجميع أن يتوقفوا عن الاستهتار بعقول الناس.

وإذا كان لنا أن نتجاوز قضية الاعتراف، فإنه ليس بالإمكان تجاوز نشاطات التطبيع مع الصهاينة وإقامة المشاريع الاستثمارية المشتركة معهم. هناك تعاون اقتصادي وتجاري بين العديد من العرب والصهاينة، فعلى الأقل بإمكان هذه الأطراف التوقف عن التنسيق الأمني مع المحتل الصهيوني. ولا قيمة للإدانة في ظل استمرار التواصل مع الصهاينة وتطبيع العلاقات معهم.

كان من المفترض أن تقوم السلطة الفلسطينية فورا بعد خطاب ترمب بإلغاء اتفاق أوسلو وسحب اعترافها بالكيان الصهيوني ووقف التنسيق الأمني إلى الأبد، ومنع التطبيع ومحاسبة المطبعين الذين قاموا على التنسيق الأمني، لكن شيئا من هذا لم يحدث. فكيف لنا أن نفكر بحسن نوايا، خاصة أن رئيس السلطة ألقى كلمة هزيلة بعد خطاب ترمب لا تتناسب بتاتا مع حجم الحدث. ولا مع كرامة وعزة الشعب الفلسطيني.

يستفيد الكيان الصهيوني من الاعتراف الأميركي في أن مهمة تهويد مدينة القدس أصبحت أكثر يسرا وسهولة. كانت الولايات المتحدة تكبح جماح الصهاينة أحيانا تبعا لتقييمها لردود الفعل العربية والدولية، لكن الآن التصريح الأميركي أصبح مفتوحا، وذلك تمشيا مع قناعة ترمب بأن الكيان الصهيوني هو دولة اليهود.

وبهذا، هناك خطر كبير على سكان مدينة القدس وبيوتهم وممتلكاتهم ومصالحهم. الصهاينة سيكثفون جهودهم الاستيطانية، وجهودهم في إخراج أهل القدس من مدينتهم، وسيصبحون أحرارا في تكثيف جهودهم لتهويد الضفة الغربية.

الصهاينة يعملون منذ سنوات على تهويد الضفة، والآن يرون أن الطريق أمامهم ممهدة بعقبات أقل مما كان عليه الأمر سابقا. ومقابل كل ربح صهيوني هناك خسارة فلسطينية؛ فهل ستغير السلطة الفلسطينية ما هي عليه وفيه، وتعمل جادة على إقامة وحدة وطنية فلسطينية وفق ميثاق وطني فلسطيني يلتزم به الجميع؟