في موسم الزيتون الفلسطيني

الأربعاء 18 أكتوبر 2017 09:21 م بتوقيت القدس المحتلة

في موسم الزيتون الفلسطيني
لمى خاطر

لمى خاطر

كاتبة سياسية

ذات لحظة إبداع؛ أنشأ الشاعر الفلسطيني محمود درويش ذلك البيت الشعري الذي سيغدو فيما بعد العبارة الفلسطينية الأشهر في كل موسم زيتون:

"لو يذكر الزيتونُ غارسَه لصارَ الزيتُ دمعا"

غير أنّ تعاطف الزيتون المبارك مع الإنسان ووفاءه له لن يقتصر في فلسطين على غارس أشجاره، بل من الطبيعي أن يمتدّ إلى راعيه وجانيه، وخصوصاً من يملك حقلاً يطلّ على شارعٍ الْتِفافي أو قريباً من إحدى المستوطنات الصهيونية، ويكون عليه أن يغامر بسلامته وراحته حتى يجني ثمار الزيتون كل عام. لكن هذا ليس كل شيء، فلحكاية الزيتون جانبها الجمالي أيضا، بعمومها، وبخصوصيتها الفلسطينية على حد سواء.

هذا الموسم الذي يحلّ كل خريف سيتيح لك أن تحبّ الخريف وتتذوق تلك التفاصيل المخبوءة من سحره، وهي لا تُرى إلا في الطبيعة، في السهول والجبال والوديان، حيث تتجرد الأشجار من أوراقها ويعتريها اليباس، فيما تظلّ شجرة الزيتون مورقة يانعة، تشعّ خضرةً وتطرح ثمرا، فيما الهرم الموسمي والاصفرار يغزو الأشياء من حولها، وحيث ينصرم فصل الحر بشمسه الحارقة وهوائه اللافح، ويحلّ الاعتدال والتوسّط؛ دفئاً وبَرْدا، بينما يمضي النهار سريعا، كأنه يترفّق بالعاملين في حقول الزيتون، إذ لا يكاد يبدأ الصباح حتى تؤذن شمس اليوم بالغروب، مصداقاً للمثل الشعبي الفلسطيني: "أيام الزيت، أصبَحْت امسيت"، إشارة إلى قصر النهار في هذا الموسم.

بصورة أخصّ، وفي موسم الزيتون الفلسطيني تتكثّف جماليات عديدة، ويتداخل في صورتها الكليّة الصمود والجِدّ والأصالة والبهجة وذكريات الطفولة، وأنماط الحداثة التي فرضت نفسها على كل شيء، حتى على أدوات جني المحصول وعصره وكيفية التفاعل معه.

بالنسبة لي، ما أزال أحتفظ برصيد هائل من ذكريات الموسم، رافقتني منذ طفولتي حتى الآن، وهنالك أشجار ترتبط بأحاديث ووجوه وأحداث وطقوس، أذكرها وأذكر المواقف المتعلقة بها كلما رجعتُ إلى الزيتونة نفسها كلّ عام، ورغم العتمة التي غزت جانباً من ذاكرتي فأورثته النسيان، إلا أن ما يرتبط بهذا الموسم يبقى مورقاً كحال شجر الزيتون الرومي، القادر على ابتعاث الذكرى من قلبك وعقلك حين تقف أمام جذعه الموغل في القِدم، والراسخ رغم تعاقب السنين.

يستحق هذا الموسم أن يتفرغ له الإنسان ويشارك فيه بكليته، ودون تبرّم أو تثاقل، فالتعب الكامن فيه يغدو هيّناً عند تذوّق خصوصيته وجمالياته الفريدة، ولمس بركته وجلال لحظاته، فللبركة سرّ وسحر لا يدركهما من لا يرى غير الجانب المتعب والمظلم في كل شأن. فكيف إذا ما أضيف للبركة اقتران شجرة الزيتون بصمود الفلسطيني على أرضه وحقه فيها؟ وهو أمر ستلمسه يقيناً إذا قُدّر لك أن تشاهد عائلة فلسطينية تجني ثمار زيتونها في مكان ناءٍ ومهجور في سفح جبل أو على قمته، قلّ أن تصله قدم إنسان، ولم تزحف إليه كذلك نار الاستيطان وما تُحدثه من تبديل وتزوير لبصمة المكان الأولى، فبقي ذلك المكان محتفظاً بتضاريسه ذاتها التي كان عليها منذ مئات السنين، وظلت العائلات الفلسطينية تتوارث حقول الزيتون فيه جيلاً بعد جيل.

وإن كان لنا أن نتساءل عن سبب إصرار المستوطنين الصهاينة على إحراق حقول زيتون فلسطينية كل عام، فأحسب أنّ هذا سيظلّ يحدث ما دام المستوطن يشعر أنه دخيل على هذه الأرض، لأنه لم يرث عن أبيه أو جدّه شجرة زيتون عمرها مئات السنين، تربطه مادياً ومعنوياً بالأرض، وتمنحه دليلاً على وجوده الممتد والعميق فيها، ولأن انتشار أصحاب الأرض الحقيقيين في سهول وجبال فلسطين في وقت واحد كلّ عام كأنما يعرّي رواية الاحتلال المتعلّقة بأرض فلسطين، وينسفها من جذورها، فيما تبقى جذور الزيتون الغائرة عميقاً في التراب عنواناً لمعركة الوجود على هذه الأرض، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.