إلى أن ينجلي أمر المصالحة الفلسطينية

الأربعاء 20 سبتمبر 2017 09:55 م بتوقيت القدس المحتلة

إلى أن ينجلي أمر المصالحة الفلسطينية

ليست غايتي في هذه المقالة أن أصدر حكماً مسبقاً على التطور الأخير الحاصل في الساحة الفلسطينية، أي الاتجاه نحو المصالحة بين حماس وفتح، رغم تلك النتوءات التي تشوّه المشهد برمّته فلسطينياً وإقليميا، نظراً لتشابك تناقضات عديدة وتنافر مصالح مقابلة لدى مختلف الأطراف الفاعلة فيه، ورغم أن مسار الأحداث منذ سنوات وطبيعة بعض المحاور والقوى وسياساتها المعلنة أمور تأخذ المرء بعيداً عن الغرق في شبر من حسن النوايا، التي جُرّبت مراتٍ عديدة.

وليست غايتي أن أدلّل على أن مصالحةً لا تنهي عهد التنسيق الأمني مع الاحتلال، ولا تكفّ سوطه الذي يلهب ظهور الأحرار ستبقى ناقصة وعقيمة، وعمرها الافتراضي محدودا، فالأدلة على ذلك أكثر من أن تُحصى أو يعاد التذكير بها.

غير أنني كمتابعة للمشهد (ولعلّ مثلي كثيرين) لا يستوقفنا الحدث وإن تضمنته بعض المفاجآت، بقدر ما يستوقفنا أو يرهقنا التعامل الإعلامي معه، وخصوصاً ممن تعمل ذاكرتهم وفقاً لومضة اللحظة الراهنة، فيكتشفون مثلاً أن مسألة الانقسام كلّها كانت أشبه (بطوشة) بين عشيرتين، وأنه كان ممكناً تجاوزها منذ البداية بجرعة ليونة وتنازل أكبر كان يتعيّن تقديمها كقربان لإنجاح المصالحة، وأنه ما من فاعلين آخرين أساسيين في هذه المسألة كالاحتلال الإسرائيلي أو الإدارة الأمريكية، ومعهما كل من تواطأ على حصار غزة من العرب وأوقد نار الحروب عليها.

هناك من يظن أن الأحلام تصبح حقائق بمجرد الإفصاح عنها، وأن الأمنيات المستظلة بالشعارات الدارجة والمكررة في الإعلام لا يحول بينها وبين الواقع سوى خيط رفيع من التسامح والطيبة وتقديم التنازلات السياسية، ليتحقق الوئام وينتهي الخصام، وربما يزول الاحتلال عن فلسطين بفعل حرارة لحظة التصالح تلك، وقد بات هذا السلوك نمطياً جداً في الحالة الفلسطينية، وكثير من الناس تغريهم الشعارات أكثر من الحقائق، فيديرون ظهرهم للأخيرة، وينكرون على من يستحضرها فعله، ويواجهونه بسيل من اتهامات ضيق الأفق والتعصّب وحبّ الافتراق، بل قد يدفعهم الانفعال باللحظة الراهنة -وإن كانت لا تزال ضبابية- إلى إنكار أي تحفّظ أو طرح خارج سياق المتداول والمستهلك شعبياً وإعلاميا.

ومع أنه ليس لأحد أن ينكر أن التفاؤل مطلوب دائما، ومثله السعي لمغادرة كلّ لحظة تأزم خانقة، وأن الممارسة السياسية تحتمل الخسائر الآنية، وترجيح خيار أقل سوءاً على غيره، إلا أن هذا لا يلغي إمكانية وجود كمائن ثقيلة العيار خلف الستار، ولا يُسوّغ مباركة الحدث دون تحفّظات، أو الإسراف في تلوين مشهد المستقبل بأكثر الألوان بريقا، ولا يبرّر تحويل اتجاه المعركة ضدّ من يقول كلاماً حذراً ومتأنّياً على هوامش ما يجري.

إن الإقرار بحاجة غزة لحلّ يخفف معاناتها لا يجادل فيه أي حريص على المقاومة أو منحاز بمشاعره الإنسانية لمظلومية أهل غزة، أو تائق لسارية الحرية المنتصبة فيها رغم حصارها، وإن كلّ يوم تُؤجل فيه المواجهة العسكرية في غزة مع الاحتلال هو مكسب للمقاومة، لأن الأخيرة لا تمضيه متثائبة، بل تضيف فيه لبنة جديدة إلى بنائها، ولذلك فإن القلق على هذه المقاومة وعلى كتائبها وعتادها سيبقى هاجس كثير من الأحرار في غزة وخارجها، وإنه يعزّ على كل حرّ أن يشهد هدم وإطفاء آخر منائر القضية الفلسطينية، وهي تلك التي استقامت في غزة، رغم طول مكابدتها للعتمة.

فحتى ينجلي أمر المصالحة، ويستبين ما وراء انفكاك عقدة غزة، لا بأس بكثير من الحذر، وقليل من الاندفاع في البناء على اتفاقات الغرف المغلقة، فحديث هذه الغرف يحتمل تصريحات المجاملة والعلاقات العامة وتبادل الابتسامات العفوية أو المصطنعة، أما عموم المتابعين أو المشاهدين فلا شيء يلزمهم بتصديق أن هناك توبةً نصوحاً قد ألمّت فجأة بخصوم المقاومة محلياً وإقليميا. وأما المستبشرون بما يجري دون تحفظات فلهم أن يتأكدوا أن المصالحة لا يمكن أن تكون مكروهة لذاتها من أي حرّ، وأن بعض المتحفظين على ملابساتها ربما يكون قد نالهم من نقيضها أذى كبير، لكنّهم مع ذلك ظلوا منحازين لأصل المسألة، ولما تقرّره الحقائق الملموسة، لا ما ترسمه ريشة الأمنيات الحالمة.