أزمة المثقف العربي ودوره المفقود

الخميس 07 سبتمبر 2017 12:09 م بتوقيت القدس المحتلة

أزمة المثقف العربي ودوره المفقود
إبراهيم المدهون

إبراهيم المدهون

كاتب فلسطيني

لا أقصد بالمثقف غزير المعرفة كثير المعلومات، أو صاحب الدرجة الأكاديمية أو المهنية، ربما هذا جزء من مكونات المثقف الحقيقي، ولكني أريد بالمثقف هو الناقد الاجتماعي من يشغله هاجس المساهمة في تجاوز الاشكاليات والعوائق التي تمنع بلوغ نظام اجتماعي أفضل وأكثر انسانية واستقرارا وعدالة، كما أن المثقف من يضخ الفكر والمعرفة ويتخذ المواقف ويواجه الفساد من خلال تطوير أفكار مجتمعه ومفاهيمه السائدة.

ويحتاج المثقف لقدر من المعرفة والمعلومات والتأمل والمتابعة التي تؤهله لقدرٍ من النظرة الشمولية الصحيحة النافذة المعالجة لتعرجات الواقع، كما يحتاج قدرٍ من الالتزام الفكري والسياسي تجاه مجتمعه فهو ليس نبته غريبة يحارب الذات الثقافية العميقة في المجتمع، ولا هو مستسلم للانحرافات والتراجعات التي فرضتها طبيعة التطور البشري، والمثقف مبدع ويفصل بين المأمول والممكن، النظرية والتطبيق، الحقيقة والوهم، الأمنية والقدرة.

والمثقف قد يكون إعلامي بارز، أو روائي وكاتب وقاص وحتى فنان يؤدي دورا عبقريا، أو اقتصادي ناجح، أو شاب باحث عن الحقيقة ولديه تأملات عميقة وتساؤلات متتالية حظي بقبول وتأثير، المهم أن يكون هناك قيم أخلاقية وغايات عليا يسعى أليها ويقاتل من أجلها، ويقيس بها مواقفه، فالمثقف الحقيقي ضد الظلم مهما كان الطرف المظلوم أو الظالم، ضد الاستبداد والقهر، وليس شرطا أن يكون ضد السلطة والحكومة، إلا أن قلمه ورأيه وصوته وموقفه يجب أن ينحاز للضعفاء والمهمشين.

للأسف هناك غياب شبه كامل للمثقف العربي، ونحن أمام نماذج مرتبطة فقط بالمصالح الحزبية والسياسية والاقتصادية، ولهذا أن تعرف رأي المتحدث وتوجهه قبل أن يقول أو يكتب، لأنه حد نفسه وصبغها بإطار مصلحي أي كان نوع هذه المصلحة. ومع هذ علينا ألا نقصر اللوم على المثقف العربي الذي أخفق بمعادلة التغيير، لأنه لا يتحمل كامل المسؤولية وحده.

بل المجتمع العربي حتى اللحظة مجتمع لا يحمي مثقفيه وأبطاله، ولا يساندهم ولا يلتف حولهم ولا يوفر لهم البيئة الصحية من حرية واستقلال وأمان، فالشعوب العربية مثلا لا تدفع لتقرأ هذا إن فكرت أصلا في القراءة والبحث، وهي لا تدفع لسينما راقية بعيدة عن الغرائز والعري، وتهدم المسارح التي تشخص الواقع وتحاربها، وتستكين للسائد الروتيني، وهنا لا يجد المثقف عملا إلا في الصحف والوسائل والمؤسسات الممولة من هذا الطرف أو ذاك، فيضطر لمداهنتهم والتماهي معهم ومع سياستهم فيفقد دوره الطليعي.

في الغرب مثلا قد تصبح مليونيرا من إصدار كتاب واحد، او من خلال كتابة عمود في صحيفة، أما هنا فإن المثقفين يتوسلون القراءة والتفاعل، صديقي من غزة أصدر كتابا فكريا مهما ولكنه لم يجد التسويق المناسب، وجميع من شجعه طالبه بنسخة كإهداء ليتجنب دفع الثمن الكتاب، وذلك ليضعه على الرف بين الكتب المخزنة في حالة تباهٍ شكلية، واليوم هو مصدوم من النتيجة؟ لسان حال المثقف العربي يقول: كيف تريدني الكتابة والتفاعل مع المجتمع والدفاع عن ضعفائه والمظلومين، وقتال ظالميه، والتحدث عن مشاكلهم الحقيقية وأنا أعمل مع النظام أو مع الحزب او لهذه المؤسسة أو تلك؟!! لن ينصلح حال الأمة العربية إلا في استغناء مثقفيها عن العمل لدى أصحاب الأعمال والأموال والنفوذ والسلطة، ولا يتأتى ذلك إلا في استنفار الفرد العربي وتغيير أولوياته وإنفاقه وتحمل جزء من مسؤولية التغيير، لصناعة مثقف حقيقي وفاعل في مجتمعه.