حالمون وواهمون

السبت 03 يونيو 2017 03:15 م بتوقيت القدس المحتلة

حالمون وواهمون

محمد السرحي - غزة

ما بين حالمين – وواهمين

تعتبر الأفكار والرؤى ,والأحلام والأماني ,مصدر إلهام لكثير من القادة الاستراتيجيين ضمن مبادئ "علم القيادة الاستراتيجية ",على مر الزمان والتاريخ , بل هم سدنتها وسفراءها , وحراسها, حيث تشكل منبع اشعاعهم المستمر بين أتباعهم وجمهورهم , ومبعث " للكاريزما " الخاصة التي يتمتعون بها , فالمآلات والنتائج المتوقعة في نهاية مطاف أفكارهم ورؤاهم هي الخط الخفي الذي يربط القيادة الحقيقية الحالمة بمجتمعها , والمواقف المحيطة بهم على الدوام , فهم " يبيعون الآمال والأحلام " , كما قالها يوما القائد الفرنسي " نابليون بونابرت "  في مقولته الشهيرة " القائد بائع الأمل " , ولكنه يسعى جديا ويعمل , وأتباعه لتحقيقها والتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجلها وديمومتها " ومن يَخْطب الحسناءَ لم يُغْلِها المهر " .

يحدثنا القرآن الكريم حكاية عن رسولنا الكريم " محمد "، صلى الله عليه وسلم، وتقلب وجهه في السماء طلبا لمكة المكرمة، بعد ان كانت قبلته والمؤمنين في الصلاة إلى " بيت المقدس "، طلبا لمهوى فؤاده، ومنشئ صباه الأول، (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، إلى أن أكرمه الله تعالى والمؤمنين، وأعطاه ما كان يسعى إليه ويتمناه، بعد 16 شهرا، من التوجه إلى بيت المقدس في قبلته.

ثم لما اشتد الساعد، وقوي البنيان، بعد معارك وقتال، وجهاد وفتوحات، وصولات وجولات، كان تحقيق الرؤية الاستراتيجية يقتضي التوجه نحو الفتح الأعظم لمقر الدعوة الأول وحصنها الحصين " مكة المكرمة".

 وهذا ما سطرته كتب السيرة النبوية العطرة في صلح الحديبية , وخروج النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام " الذين كانوا دائمي الطلب والرؤية لهذا الفتح العظيم , وتطهير البيت الحرام من الأوثان والأرجاس المحيطة من معالم الشرك , ورموز الكفر بأنواعها , حتى قدر الله تعالى لهم ما كان من أمر كريم في صلح الحديبية , وظروفه التي سبقت فتح مكة ومهدت له قبل سنوات معدودة منه, بعد أن عالجها ورامها , فتعذرت عليه وصحبه الكرام , وقد كانوا يطمحون بدخول البلد الحرام والحج والصلاة فيه ," وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ".

لقد قدر المولى تبارك وتعالى -وهو القادر على كل شيء -للمؤمنين حينها، أن يكون فتح مكة بعد مراحل متعددة ومختلفة من الصراع مع الباطل وآلاته، إلى أن نضجت الجهود، وقويت الحشود، واستوى على سوقه، جاء الفتح المبارك بعشرة آلاف مقاتل لمكة المكرمة، فأخذوا في وقتها أكثر مما كانوا يرومون وقت صلح الحديبية، ومقصدهم الوصول إلى بيت الله الحرام، لتزداد بعد ذلك أعداد الموحدين، وتنطلق جيوش الفاتحين بعدها إلى أطراف بعيدة من هذا الكون، لفتح العقول والقلوب، قبل فتح الأمصار والبلاد.

ولكتب التاريخ صفحات مجد وعز , تكتب بماء الذهب , عن منبر الناصر صلاح الدين الأيوبي , وما كان من أمره حيث صنعه القائد نور الدين زنكي سنة 1168م ليضعه في المسجد الأقصى بعد أن يقوم بفتح المدينة , في ظل ظروف أشبه بالمستحيل أن يحصل الفتح والتحرير" كما كان يتصور من عايش هذا الزمان " , اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ودينيا , ولا تقوى على تقديم أسباب يقينية حينها بقرب فتح بيت المقدس , الا ما كان من وجود " أحلام يقظة " , ورؤى وطموحات , تراود القادة الاستراتيجيين من الزنكيين والأيوبيين آنذاك , والعمل المستطاع والتجهيز , وصولا للفتح المأمول لبيت المقدس .

لقد بقي المنبر ينتظر 20 عامًا، وتوُفي نور الدين في هذه الفترة، ولمّا يسّر الله لصلاح الدّين فتح بيت المقدس قام بنقله من حلب سنة 1187م ونصبه على يمين المحراب الأوسط في المسجد الأقصى المُبارك.

إن ما أبدعه ربان الابداع في شبكة الأقصى الإعلامية من محاكاة للقدس وواقعها وحاراتها وأزقتها , وتقريب الصورة أكثر , وما كان من فكرة افتتاح مسلسل " بوابة السماء ", عبر نموذج مدينة القدس داخل المدينة الإعلامية , على طريق التحشيد الإعلامي , والتعبئة الفكرية المتكاملة , متزامنا ذلك مع الواقع التطوري الواضح للمنظومة المُقاوِمة على الأرض وقدراتها العسكرية , وانشاء " هيئة وعد الآخرة " للتفكير والتجهيز , لمرحلة ما بعد التحرير , ورسم الصورة اليقينية الحالمة , المتوقعة لما بعد تحرير بيت المقدس وفلسطين , يشكل المسار الصحيح , والاستراتيجية المطلوبة , بالتوازي مع باقي المنظومات الأخرى التي تتكامل معها .

يقولون "أحلام الأمس حقائق اليوم، وأحلام اليوم حقائق الغد"، ومن الجدير ذكره، أن المجتمع الفلسطيني اليوم، يعيش حالة من الحقائق، واليقينيات على صعيد قضيته ومقاومته، كانت إلى وقت قريب، أحلام يقظة، وخيالات تتراءى، ومنامات صعبة، غدت اليوم " بقوة الله وحمده " وبرغم تعقيدات الظروف، واقعا ويقينا، يصعب على كل تائه فضلا عن ذي لب عاقل أن يتجاهله، أو يتغافل عنه.

لقد شكلت أضغاث الأحلام، التي تملى على شعبنا الفلسطيني منذ ما يزيد عن عشرين عاما عبر ما يسمى ب " عملية السلام " مع الصهاينة، ومنظومة الأوهام، والشعارات الفارغة، التي صدعنا بها أصحاب هذا " المشروع " القائم على " السراب " " الذي يحسبه الظمآن ماء " ، نموذجا واضحا وفاضحا , لمنظومة القيادة الواهمة , والتي تبيع الوهم على أرض السراب , في استراتيجيات الغباء السياسي المخزي , والانبطاح الخانع لأرباب المشروع الصهيوني الزائل , طلبا للمال السياسي , والارتواء من ينابيع الذلة والمهانة , حيث لا رؤى ولا أحلام , ولا مبادئ أو استراتيجيات , أو حتى ثوابت ومنطلقات يحافظ عليها , تروي الغليل , أو تشفي العليل , للخروج من النفق العميق .

إن أحلام العاملين لتحرير بيت المقدس، وأرض فلسطين الطاهرة اليوم، في ظل مهر الدماء الذي يمهر في سبيل تحقيق هذا الحلم، لهو الكفيل بقلب المعادلات، وتحولها إلى حقيقة وواقع يقيني، في مقابل أوهام الواهمين، وتسويقها، وزخرفتها بعد أن تنازلوا عن حقهم في العودة إلى ديارهم" على الأقل "، وحرموا عقولهم الباطنة حتى في حلم العودة إلى " صفد "، ومدنهم وقراهم المحتلة في القدس وفلسطين.

 فشتان- شتان ما بين حالمين، وآخرين " واهمين ".