مقال : من وحي الوثيقة والميثاق

الثلاثاء 02 مايو 2017 09:28 م بتوقيت القدس المحتلة

من وحي الوثيقة والميثاق

بقلم/ د. حسام الدجني

أصدرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وثيقة سياسية تعرض فيها مبادئها ومنطلقاتها الفكرية والأيديولوجية التي تستند إليها في تكوين رؤيتها وبناء خطابها وتحديد سلوكها وأدائها السياسي.

وهذا يدفعنا لطرح تساؤلات هامة: ما الجديد في الوثيقة السياسية (2017م) بالمقارنة مع الميثاق (1988م)، وما مدى قدرة الحركة عبر وثيقتها السياسية إحداث اختراق محلي وإقليمي ودولي (المأمول من الوثيقة السياسية)...؟

أولاً: ميثاق ووثيقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس). كُتِب ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في العام 1988م، وكتبه أحد القيادات المؤسسة للحركة وهو الشيخ عبد الفتاح دخان، وهو أقرب للوثيقة الدينية منه من الوثيقة السياسية، وهو ناتج عن جهد بشري لا يتمتع بصفة القداسة، وقد يصلح في ذاك الزمان، ولكنه لا يصلح لأزمنة أخرى.

وهو ما باتت تدركه حركة حماس، وتحديداً بعد أن أصبحت من كبرى الحركات السياسية في فلسطين، ونجحت في الانتخابات البلدية عام 2005م، والتشريعية عام 2006م، وتقود برنامج المقاومة، وتدير الحكم والحكومة في فلسطين، وسط عدم قبول أطراف عديدة من المجتمع الدولي بحركة حماس وحكومتها، وهو ما انعكس على أدائها وإدارتها للشأن العام.

بات من الضروري تجديد الفكر السياسي لحركة حماس، فالحركة التي أبدعت في ميدان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لا يجوز أن يبقى محاكمة فكرها السياسي من خلال ميثاقها الذي كُتِب في العام 1988م، فكان لابد من أن تُبدع في تجديد فكرها السياسي، وصولاً لسد الذرائع أمام إسرائيل وحلفائها التي تتسلح بالميثاق كوثيقة لشيطنة وأرهبة حماس ومقاومتها.

وسوف أسرد بعض ما جاء بميثاق حركة حماس وهي مواد بحاجة لمراجعة والوثيقة السياسية قد قامت بمعالجتها واستدراكها بعد مسيرة طويلة من تطور الفكر السياسي لحركة حماس:

إن ما يؤخذ على الميثاق هو الصبغة الدينية على كل شيء، حيث يسجل خصوم حركة حماس عليها بأنها تستهدف المرأة المسلمة وتتجاهل المرأة غير المسلمة وهي شريكة بالنضال وبالوطن، ورغم صحة النقد للميثاق حتى بات إعادة النظر في نصوص هذا الميثاق مطلب ليس لخصوم حركة حماس بل لبعض قياداتها ونخبها، فقد عالجت الوثيقة ذلك وأكدت على مكانة المرأة الفلسطينية، وهو ما يضم المرأة بشكل عام كانت مسلمة أم غير ذلك.

وهناك قضايا بالغة الأهمية تناولها الميثاق واستدركتها الوثيقة السياسية على النحو التالي:

1. الميثاق تحدث عن أن العداء لليهود، بينما استدركت الوثيقة ذلك بأن العداء للاحتلال الصهيوني. وهذا يعني انتقال الصراع من ديني لصراع سياسي.

2. الميثاق وضع شرط دخول حركة حماس لمنظمة التحرير وهو تبنى منظمة التحرير الفلسطينية الإسلام كمنهج حياة. بينما الوثيقة لم تضع شروط وأكدت على أن م.ت.ف إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية. وهذا يساهم في دمج حماس في منظمة التحرير الفلسطينية.

3. الميثاق حسم بشكل مطلق بأن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يمكن التنازل عن شبر منها، بينما الوثيقة أكدت على الحق التاريخي في فلسطين حيث تضمنت النص التالي: "لا تنازل عن أي جزء من أرض فلسطين، مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال، وترفض حماس أي بديل عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، من نهرها غلى بحرها، وإن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي اخرجوا منها، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة، ولا تعني إطلاقاً الاعتراف بالكيان الصهيوني، كما لا تعني التنازل عن أي حق من الحقوق الفلسطينية." وهو ما يدعم التوافق الفلسطيني المقر بوثيقة الوفاق الوطني عام 2006.

4. حدد الميثاق هوية حماس بأنها أحد أجنحة جماعة الإخوان المسلمون بينما الوثيقة نأت بحماس أي ارتباط بجماعة الإخوان.

ثانياً: مدى قدرة الوثيقة على إحداث اختراق في المشهد المحلي والإقليمي والدولي. ثلاث دوائر تستهدفها الوثيقة وهي الدائرة الفلسطينية والإقليمية والدولية.

1. الدائرة الفلسطينية: سينقسم موقف الفصائل الفلسطينية من الوثيقة ما بين مؤيد وداعم، وما بين مشكك وحذر.

حركة فتح سترى في الوثيقة بأنها تهديد لوحدانية تمثيلها السياسي في الداخل والخارج، كونها قد تساهم في رفع حماس من قوائم الإرهاب عند بعض الدول الغربية، وستبدأ حركة فتح استراتيجية المواجهة الإعلامية التي توظف الوثيقة في خدمة رؤية فتح السياسية وبرنامجها السياسي، بينما باقي الفصائل قد تتباين رؤيتها بين المرحب وبين الداعم لتلك الرؤية والمعارض لها.

2. الدائرة الإقليمية: أعتقد أن الوثيقة موجهة بالدرجة الأولى نحو الإقليم والمجتمع الدولي، فعلى صعيد العلاقة مع دول الرباعية العربية (مصر-السعودية-الأردن-الإمارات) فتوتر العلاقة في معظمة مرتبط بارتباط حماس التنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين، والوثيقة فكت الارتباط بالجماعة، وهذا سيساهم ويحدث اختراق في العلاقة مع الدول العربية بشكل عام والرباعية بشكل خاص.

أضف لذلك أن العلاقة مع إيران وتركيا هي علاقة مميزة مع حركة حماس وبذلك سيمنح ذلك حماس فضاء أرحب للمناورة السياسية في الإقليم المشتعل.

3. الدائرة الدولية: المجتمع الدولي ليس قالباً واحداً، ومواقف الدول متباينة تجاه حركة حماس، وهذه الوثيقة قد تحدث اختراقاً قانونياً وسياسياً لدى الاتحاد الاوروبي ودول اخرى تصنف حماس بالمنظمة الإرهابية، اما الولايات المتحدة فموقفها سيمون مرتبط بموقف تل ابيب وعندما تدرك الإدارة الأمريكية بأن حماس جزء من الحل وليس المشكلة ربما تساهم الوثيقة في تمرير احتواء حماس سياسياً وقبولها كمكون سياسي مهم في النظام السياسي الفلسطيني.

خامساً: حماس بعد الوثيقة.

ما ينتظره العالم من حركة حماس بعد الوثيقة أن تترجم الأقوال بالأفعال والنظرية مع التطبيق، وأن تبدأ الحركة سياسة جديدة تؤهلها للتنافس على قيادة المشروع الوطني، على قاعدة الشراكة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وهذا يتطلب تعزيز الثقافة المدنية، وسيادة دولة القانون، وتبني خطاب إعلامي متزن يخدم القضية المركزية أمام الرأي العام الغربي للوصول إلى عزل إسرائيل سياسياً ودفعها للقبول بمطالب شعبنا المشروعة والتي كفلها القانون الدولي.