أدب السجون . . تحدي للسجان

الثلاثاء 25 أبريل 2017 08:55 ص بتوقيت القدس المحتلة

أدب السجون . . تحدي للسجان
سارة سويلم

سارة سويلم

ناشطة فلسطينية

السجن بقدر ما فيه من هم وقهر إلا أنه ما من شر محض فهو يعطي المرء فرصة مميزة لمراجعة النفس وإعادة الحسابات على كل المستويات وفي كافة القضايا .ويجد الانسان رغبة في نفسه للتعبير عن افكاره وخواطره .. وقد يكتشف لديه قدرات كانت مخبأة حتى عنه شخصيا ولعل كثرة الانشغال في الحياة وعدم اخذ المر فرصة مناسبة تجعله لا ينتبه الى هذه القدرات.

يقول الكاتب والأسير المحرر ثامر سباعنة: السجن يضغط على الأسير كي يستخرج منه كل ما يملك وما يخفي وما يخفى عليه والظروف تجبره على ذلك احيانا .. وخير جليس في السجن الكتاب لكن افضل وسيلة للتخفيف عنه النفس او التعبير عن ما يجول في نفسك هي القلم والكتابة وهناك مجال كي تناقش ما تكتب مع اخوانك فالوقت متوفر لذلك والحوار يثري الافكار والمراجعات تقوم الكتابة والنقد يجعلها تتعمق وتتقدم.

 على الرغم من القسوة والمعاناة التي يواجهها الأسير أو الأسيرة ، إلا أن التعايش اليومي في ظل العزل والعلاقات الإنسانية التي تجمع المعتقلين، ومشاعرالإبتعاد عن الأهل، هي ما تسببت في إيجاد أو تطوير إبداعات مميزة مثل الرسم والشعر وكتابة القصة ، المعاناة تولّد الإبداع ، لأن الإبداع لا ينتج عن شخص عادي يعيش في ظروف عادية ، وإلا أنتج أدباً عادياً ، أما الإبداع فإنه ثمرة مميزة يصدر عن شخص مميز يحيا ظروفاً خاصة غالباً ما تكون معاناة وقهراً أو إحساساً بالظلم ، إن عملية الإبداع في الواقع ، هي تعبير عقلي قائم على مضمون وأحاسيس ، يرتفع بهم إلى الروحانية والإبداع الفني ، وهو أيضاً صناعة إنسانية ، تقدم للبشرية مادة جمالية بغرض إسعادها ، ومن ناحية أخرى فالفنون هي المثقف الأول للشعوب على آفاقها العريضة ، لأنها ليست موجهة إلى فئة صغيرة من الصفوة خاصة ، إذا كانت تقدم مضموناً واضحاً بعمق وبساطة.

الأسير المحرر محمد صبحه يتحدث عن ذلك قائلاً : عمل السجان على قمع الأسرى ، ومارس تعذيبه وقهره ، ولجأ إلى منعهم من أبسط الحقوق الإنسانية مثل الحق في القراءة عبر منع إدخال الكتب ، ومنعهم من حق الكتابة ، فلم يسمح بإدخال الأقلام والأوراق في الزنازين ، وكان إضراب عسقلان في5/7/1970م ، ناجحاً في كسر بعض القيود الثقافية ، إذ تم فيه السماح بإدخال الكتب الثقافية المختلفة ، عن طريق الصليب الأحمر ،  بعد ورودها على الرقابة ، وموافقة الجهات الأمنية عليها ، و لقد كان الأسرى يهربون كتاباتهم ، ويحمونها من مداهمات السجانين ، حتى يأتي الوقت الذي يستطيعون فيه أن يخرجوها من أسرها ، كما ان العديد من المثقفين ، أخذوا على عاتقهم البدء بمحاولة التغيير التنظيمي ، والثقافي ، فبدأوا بعقد الجلسات الثقافية ، وإلقاء المحاضرات الخاصة بالصراع الفلسطيني الصهيوني .

الكاتب والروائي وليد الهودلي أضاف : أن الأسرى هم وحدهم من كتب عن الحرية والتحرر وفي باحات الأدب والتراث، مشيراً إلى أن الأسرى في سجون الاحتلال هم من بادروا وكتبوا وثيقة الوفاق الوطني قبل عدة أعوام بـ"روح وطنية صادقة". واضاف إن أدب الحرية في السجون له تاريخ عريق، وهو يرمي لتعزيز ثقافة الحرية في أوساط الشعب الفلسطيني، ومن خلاله يحقق الأسير دوره وذاته رغم أنف السجان، وهذا النوع من الأدب يأتي ليعزز الرواية الفلسطينية في وجه الصهيونية".

الكاتب ثامر سباعنة أضاف : على الرغم من القمع الاحتلالي ، تعددت أشكال الأنشطة الثقافية والتعليمية اليومية سواء على المستوى الجماعى او الفردى داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية وأنتج الأسرى وسائلهم الخاصة لتبقى هذه المعتقلات مفعمة بالحياة الثقافية المناهضة للاحتلال   ، لقد رفد الأسرى الفلسطينيون الأدب الفلسطيني بدوافع الإبداع وروافد التميّز ،  لقد اكتسب ادب السجون خصوصية الثورة وعنف المقاومة ، ورقة العشاق وطهارة الانتماء ، ولكن الأدب الأسير لم يأخذ حقه في البحث والأضواء رغم أن السجن ظلّ من أهم روافد الإبداع والتطور الفكري والثقافي والأدبي .

وفي وصف عزيمة وإصرار الأسرى يقول الأسير المحرر عوني كميل:( الأسرى لديهم عزيمة تتحطم عليها جميع إجراءات السجون القاسية. فالأسير الفلسطيني هو الأسير الوحيد في العالم الذي يحول سجنه إلى جامعة ومحطة للتزوّد بالعلم، بالرغم من صدور أحكام بالسجن الفعلي مئات السنوات بحقه. فهناك أسرى محكوم عليهم بالسجن المؤبد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أكثر من عشرين مؤبدا، وكل مؤبد 100 عام، أي إنَّ مجموع حكمه يساوي قرابة الألفي عام، ومع ذلك تراه يدرس ويحصل على الشهادة غير آبه بالمؤبدات التي صدرت بحقه. وهذا يؤكّد أنَّ الأسير الفلسطيني له خصوصية تمتاز بقوة الإرادة والتحدي والصبر وصناعة النجاح رغم الجراح.

أن السجن حالة شعورية خاصة يصعب العيش فيها في خارج القيد ..امتزاج الألم بالحنين ..والشوق بالصبر والاحتساب يولد لدى الكاتب او الشاعر ملكة اضافية بعيدا عن التكلف المقصود في عموم الكتابات العادية.في السجن ساحة للعلم والفكر رغم محاولة السجان منع التطور .

المحرر قتيبة قاسم قال عن تجربته (وجدت وقتاً أوفر لقراءة كتب لولا السجن لما أتيحت لي الفرصة فقد حلقت مع سيد قطب ومحمد احمد الراشد وجالست مصطفى صادق الرافعي ونهلت من علم محمد الغزالي ما صقل فكري وأوضح طريقة تفكيري ..لقد اكتسبت طول نفس في القراءة والتفكير كنت أفقدها في عالم السرعة الرقمي في الخارج . وأيضا أتيح لي المجال للالتقاء بتجارب علمية وفكرية تختصر المسافات والبدء من الصفر , ولا ننسى الجلسات الثقافية والمساقات التعليمية والفكرية التي تساهم في صقل الأسير , لا أخجل ان قلت إني ولدت انسانا آخر في السجن وعرفت قيمة الاشياء والحرية بعد ما فقدتها . السجن مدرسة وجامعة لمن أراد .")

ويختم الباحث ياسر حمدونة ميزات وأهم سمات أدب السجون :

1- العُمْق: يمتاز "أدب السجون" بعمق التعبير في الدلالة والمضمون، وفي الربط بين الفكرة والأسلوب.

2- الرمزية: غالباً ما يلجأ الكاتب إلى الرمز للتعبير عما يعتلج في حناياه.

3-التصوير الفني: كثيراً ما يلجأ الأديب إلى فرط عقود اللغة، وما حوت من جمان وجواهر، ليعيد تشكيل فكرته وشعوره في قالب لغوي جديد، فتعطيك المقطوعات الأدبية لوحات رائقة، أو مشاهد صامته، أو انعطافات على مشاهد حية مُفْعمة بالحركة.

4-البلاغة: الصناعة البلاغية رائجة الاستخدام، كالكنايات والاستعارات والتشبيهات والمجاز المرسل والمحسنات اللفظية والبديعة.

5- الاختزال: أي ضبط الفكرة التي تحتاج إلى فقرات طويلة في فقرة صغيرة.

6-العاطفة المتأججة: فلا تكاد تجد مقطوعة متكلفة المبنى أو المعنى، وإنما منسجمة في معناها ومبناها مع العاطفة التي تحكم القالب اللغوي المستخدم.

7- سعة الخيال: يلجأ الكاتب إلى الخيال في الغالب لاستعارة الصور أو الأحداث، فتتفاعل الفكرة في خياله مع صور إبداعية، بقالب لغوي خاص.

8- الحزن المشوب بالتحدي: فمسحة الحزن لا تكاد تفارق المقطوعات الأدبية على اختلاف موضوعاتها، حتى تلك التي أراد بها صياغة مساحة من الفرح، لا تكاد تخلو من ألم أو آهات أو دموع، فأفراحهم، أفضل ما نعبِّر عنها بالجراح الباسمة.

9- الثقافة الواسعة: حيث يهتم الأسرى بتنمية ذواتهم ومهاراتهم وقدراتهم.