الأقصى أمام مفترق طرق خطير

الإثنين 10 أبريل 2017 06:39 م بتوقيت القدس المحتلة

الأقصى أمام مفترق طرق خطير
د.صالح النعامي

د.صالح النعامي

كاتب سياسي

لقد أزفت ساعة الحقيقة وها هي القيادة الصهيونية تصر على تقليص هامش المناورة أمام القيادات العربية وقيادة السلطة الفلسطينية من خلال عرض مقدمات تؤكد عزمها السماح مجددا للساسة الصهاينة بتدنيس الحرم القدسي الشريف، وتوظيف ذلك في سوق المزاد السياسي الصهيوني الداخلي.

فقد أصدر البرلمان الصهيوني مؤخرا بالفعل قرارا ينهي الحظر الذي يمنع الوزراء والنواب الصهاينة من تدنيس المسجد الأقصى، ولكن القرار تم تقييده بقرار آخر صدر عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي حدد بدوره نهاية يونيو القادم كموعد نهائي، يتمكن بعده النواب والوزراء من تدنيس الحرم كما يحلو لهم. ومن الواضح أنه قد تم تحديد هذا الموعد على اعتبار أنه يأتي بعد انقضاء شهر رمضان المبارك، وهو ما يقلص فرص تفجر الأوضاع الأمنية، وفق المنطق الصهيوني.

ومما يدلل على عمق التحول الذي طرأ على الموقف الصهيوني من تدنيس الحرم القدسي الشريف وتراجع قدرة نتنياهو على المناورة أمام نخب اليمين الديني والعلماني في تل أبيب التي تضغط بكل قوة من أجل تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي، حقيقة أن المؤسسات القضائية الصهيونية غيرت موقفها من مسألة تدنيس الحرم وباتت أكثر حماسا للسماح للساسة والعناصر المتطرفة بالإقدام على هذا الجرم. وقد تمثل التغيير في موقف المؤسسات القضائية في الملاحظات التي أدلى بها القائم بأعمال رئيس المحكمة العليا القاضي المتدين إلياكيم روبنشطاين، الذي هاجم خلال نظره في الالتماس الذي قدمه عدد من نواب الكنيست ضد منعهم من تدنيس الحرب، الدوائر السياسية في تل أبيب، معتبرا أن "تمتع اليهود بغض النظر عن مكانتهم وتوجهاتهم" بتدنيس الحرم القدسي الشريف "مظهر من مظاهر السيادة الإسرائيلية التي يتوجب على حكومة نتنياهو مراعاتها".

لا خلاف على أن نتنياهو معني، لو الأمر تعلق به، بمواصلة التزامه بالتعهد الذي قطعه للملك عبد الله الثاني بعدم السماح للوزراء والنواب الصهاينة بتدنيس الحرم على اعتبار أنه يعي أن إخلاله بهذه التعهد يهدد العلاقة مع الأردن من ناحية، علاوة على أن الأمر سيدفع أيضا إلى توتير الأجواء الأمنية ويزيد من فرص انفجار موجة جديدة من المواجهات الواسعة مع الشعب الفلسطيني. في الوقت ذاته، فأن نتنياهو يعي تماما أن إدارة الرئيس ترامب، التي يراعي التنسيق معها، غير معنية في الوقت الحالي بتفجير ملفات قد تقلص من فرص نجاحها في بناء التحالف الإقليمي الذي أعلنت أنها بصدد تدشينه. لكن نتنياهو في المقابل يواجه ضغوطا كبيرة من النخب السياسية داخل اليمين الحاكم وتحديدا من حزبه الليكود، حيث تتسع دائرة المطالبين بإزالة كل القيود المفروضة على تدنيس الصهاينة للحرم وضمنهم الساسة وتحديدا الوزراء والنواب.

ومما يزيد من وطأة هذه الضغوط حقيقة أنها تتزامن مع تراجع مكانة نتنياهو في ظل تفجر قضايا الفساد ضده مما عزز من مكانة القوى اليمينية الأكثر تطرفا في ائتلافه، مما يجعله معنيا باسترضائها من ناحية، وتملق قواعد اليمين من خلال التأكيد أن هذه القوى لا يمكنها أن تجاريه في كل ما يتعلق بتبني المواقف المتطرفة، سيما عندما يتعلق الأمر بالحرم القدسي الشريف، الذي يدعي الصهاينة أنه يضم الهيكل المزعوم، الموسوم بأنه "المكان الأكثر قدسية لدى اليهود".

من هنا، فأننا نلاحظ تشكل لوبيات متعددة داخل الحكومة والبرلمان ومن قبل النخب للضغط على دائرة صنع القرار السياسي لتغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف، وضمن ذلك مأسسة التقاسم الزماني في المسجد الأقصى بشكل واضح وجلي.

ومما يزيد من فرص نجاح التحركات اليمينية الهادفة لتغيير الوضع القائم في الحرم حقيقة أن هناك أحزاب في الائتلاف الحاكم جعلت على رأس أولوياتها تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، مثل حزب "البيت اليهودي"، الذي يرأسه وزير التعليم نفتالي بنات، والذي تعد قاعدته الانتخابية من اليمين الديني المتطرف. من هنا، نجد وزير الزراعة والاستيطان والقيادي في هذا الحزب أوري أرئيل الأكثر حرصا على الضغط على نتنياهو والأكثر صخبا بالتهديد بعدم السماح بتواصل منع الساسة من تدنيس الحرم.

ما تقدم يوجب أخذ الحيطة والحذر ويفترض أن يدفع كل ما هو معني بالحفاظ على إسلامية الحرم القدسي الشريف أن يوضح لدوائر صنع القرار الصهيونية بما لا يدع مجالا للشك بأن عوائد كارثية ستترتب على أي قرار يرمي إلى تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف.