موظفو غزة وسياسات الراتب !

الإثنين 10 أبريل 2017 04:55 م بتوقيت القدس المحتلة

موظفو غزة وسياسات الراتب !

(1)

بداهة لا يمكن أن تقتصر إجراءات مالية احترازية أو تقشفية على محافظات دون أخرى، وإذن فاقتصار إجراءات الحسم من رواتب الموظفين على موظفي السلطة في قطاع غزة، إما أنه متعلق بسياسات تمويلية أوروبية باتت معلنة فيما يخص موظفي السلطة في غزة، أو أنه متعلق بما يقال عن صفقة إقليمية شاملة، تستلزم دفع غزة للبحث عن خلاصها منفردة، لتنفيذ خطة (غزة + أجزاء من سيناء)، مع أن السلطة وقيادة فتح لا تكفّ عن، ولا تملّ من التحذير الدائم من سياسات ونوايا، تتهم خصمها السياسي (حماس) باقترافها أو إضمارها، من شأنها أن تؤدّي إلى فصل القطاع عن الضفة!

بصرف النظر عن انتقاص السلطة وقيادة فتح من شرعيتها التمثيلية بقصر "إجراءاتها التقشفية" على موظفيها من قطاع غزة، وبصرف النظر عن أنها تضع حَبّ الجماهير والشرعية في طاحونة خصومها، حماس ودحلان، فإن هذا الإجراء، يوحد شعور سكان غزّة بالمظلومية، وبأن ثمة عنصرية تستهدفهم قصدًا وحصرًا!

ذلك لأن المفارقة، في كون الحسم يطال موظفي السلطة الملتزمين بموقفها من حماس، والذين استجابوا لأمر السلطة، واستنكفوا عن العمل لأجل إفشال حماس، والحيلولة دون قدرتها على إدارة قطاع غزة، عقب حسمها العسكري العام 2007!

بصرف النظر عن انتقاص السلطة وقيادة فتح من شرعيتها التمثيلية بقصر "إجراءاتها التقشفية" على موظفيها من قطاع غزة، وبصرف النظر عن أنها تضع حَبّ الجماهير والشرعية في طاحونة خصومها، حماس ودحلان، فإن هذا الإجراء، يوحد شعور سكان غزّة بالمظلومية، وبأن ثمة عنصرية تستهدفهم قصدًا وحصرًا!

المفارقة الأخرى، أن الغالب على أنصار حماس التضامن مع موظفي السلطة الذي استنكفوا أصلاً عن العمل، وظلّوا يأخذون رواتبهم من السلطة مقابل امتناعهم عن العمل في الحكومة التي تديرها حماس.

غالبًا يأتي هذا التضامن؛ لأن حماس في النتيجة متضررة، حتى لو طال الضرر هذه المرة أتباع السلطة؛ فتخفيض السيولة الداخلة على قطاع غزة يؤدي بالضرورة إلى تعميق الأزمات الاقتصادية في القطاع الذي تديره حماس، وبالإضافة إلى ذلك، فثمة سبب نفسي منشؤه الشعور بمظلومية القطاع عمومًا، والذي يعيش سكانه، بكل انتماءاتهم ظروفًا متشابهة من الحصار والحروب والبطالة وانقطاع الكهرباء.. الخ..

لقد كانت حماس دائمًا ما تشير إلى ما يمكن اعتباره مفارقة أخرى، وهو أن السلطة تدفع للموظفين الذين استنكفوا بأمرها عن العمل، بينما هي، أي السلطة، تمتنع في كل حوارات المصالحة عن ضمّ الموظفين الذين حلّوا مكان المستنكفين إلى كادرها الوظيفي، لكن الآن الغالب على حماس أنها مستاءة من هذا الإجراء.

ثمة أشياء كثيرة وكبيرة يمكن قولها في هذا الموضوع، ولكني أود العودة قليلاً إلى الوراء وتسجيل جملة من الملاحظات.

(2)

أولاً- هؤلاء الموظفون، لم يمتنعوا عن العمل في العام 2007 من بعد الحسم العسكري فحسب؛ ولكنهم كانوا جزءًا من أدوات السلطة لإفشال حماس من بعد تشكيلها للحكومة عقب فوزها بانتخابات المجلس التشريعي، لكنهم لم يكونوا وحدهم، فقد كان هذا الغالب على الكادر الوظيفي للسلطة إن في الضفة أو القطاع، وهذا يعني انتفاء الأمان الوظيفي في ظل الاحتلال، طالما كان الدعم مشروطًا ومسيّسًا، وكان الاحتلال قادرًا على التدخل وفرض هيمنته، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فما يجري على موظفي القطاع، قد يجري على موظفي الضفة أو بعضهم في أي وقت.

ثانيًا- رغم كل ما يمكن قوله عن خيارات حماس من قرار المشاركة في التشريعي إلى تشكيل الحكومة إلى الحسم العسكري، وهو ما أدى في النتيجة -بالإضافة لجملة عوامل أخرى- إلى خلق قضية خاصة بالقطاع، فإن ذلك الفوز كان فرصة ثمينة للفلسطينيين، لتصحيح الأوضاع الخاطئة الناجمة عن وجود السلطة التي حولت القضية الوطنية إلى قضية رواتب، وهي قضية مرهونة بالضرورة إلى اشتراطات الممولين، وإلى الشرط الموضوعي المتمثل في وجود الاحتلال وقدراته المطلقة على الضبط والسيطرة والتحكم وتجيير وجود السلطة لصالحه.

الحصار في الرزق والوظيفة والراتب، استهدف عناصر حماس منذ دخول السلطة الفلسطينية، واستمر ذلك قائمًا حتى اللحظة

لكن وبدلاً من استثمار تلك الفرصة في تشكيل كتلة وطنية صلبة ترفض الابتزاز المالي، تماهت فتح مع الجهود الدولية والإقليمية لإسقاط حماس، وهو ما انتهى بنا إلى هنا!

ثالثًا- كشفت أزمة الرواتب التي افتعلت في وجه حماس بعدما شكلت حكومة إسماعيل هنية في العام 2006، عن الأزمة الأخلاقية والوطنية التي قاد إليها مشروع الرفاهية في ظل الاحتلال، أو مشروع تحويل الوطن إلى راتب. يمكننا هنا أن نستعيد بعضًا من الهتافات التي رفعت في وجه حماس، أو حتى الأغاني من قبيل "وين الراتب؟ فش فش"، وقد وصل الأمر ببعضهم أن يقول إن الراتب مقدم عنده على أي اعتبار، حتى لو كان الذي يدفعه هو شارون نفسه!

خطاب كهذا -ومع أنه جاء بعد فترة وجيزة على انتهاء ملحمة انتفاضة الأقصى- لم يكن متسامحًا معه أبدًا في الانتفاضة الأولى، ولكنه بات قناعة معلنة بكل جرأة بفعل ما نجم عن وجود السلطة وسياساتها. الحقيقة أنه لا يمكننا أن نتوقع شيئًا آخر طالما كان الراتب هو القضية التي تحل مكان الوطن!

رابعًا- بعدما انفردت حماس بالقطاع، اضطرت إلى تشكيل بيروقراطية تدير بها قطاع غزة، وهو أمر خلق مهمات جديدة لحركة مقاومة، وحملها عبئًا ضخمًا، يحوجها إلى داعمين وممولين بالضرورة، إذ لا يمكن لحركة مقاومة أن تتوفر على رواتب آلاف الموظفين فضلاً عن احتياجاتها هي.

يُسجل هنا، صمود الكادر الوظيفي الذي عينته حماس، والذي استمرّ في عمله، بالرغم من تراجع الموارد، والحسومات المستمرة في رواتب موظفيه، بفعل الحصار، وجملة الظروف السياسية التي أدت إلى تراجع موارد الحركة، وتعزيز الحصار عليها.

لقد أوجد ذلك عددًا من البيروقراطيات وحوّل القطاع إلى وضع خاص متمايز؛ الجهاز البيروقراطي العاطل عن العمل بأمر السلطة، والجهاز البديل الذي أوجدته حماس، بالإضافة إلى البيروقراطية التنظيمية الخاصة بحماس نفسها، وبالرغم من الحصار، تمكنت حماس من توفير الموارد بصورة جيدة، حتى بدأت الموارد بالتراجع مع تراجع علاقتها بإيران، ثم من بعد أحداث 30 يونيو/ حزيران بمصر.

يُسجل هنا، صمود الكادر الوظيفي الذي عينته حماس، والذي استمرّ في عمله، بالرغم من تراجع الموارد، والحسومات المستمرة في رواتب موظفيه، بفعل الحصار، وجملة الظروف السياسية التي أدت إلى تراجع موارد الحركة، وتعزيز الحصار عليها. هذه الملاحظة تفتح باب المقارنة واسعًا، وعلى نحو يفيض بالدلالات.

خامسًا- تعرض قطاع غزة لحروب طاحنة، دون أن يتمكن الفلسطينيون من أي مكان آخر بإسناده، وزاد أثر هذه الحروب سوءًا الحصار، والأوضاع الاقتصادية الخانقة، وغير ذلك من الظروف المعيشية الصعبة.

ذلك كله، بالإضافة لسياسات السلطة ضده، وإن كان يفاقم من الشعور بالمظلومية، فإنه في الحقيقة لا يتعلق بأسباب عنصرية تمييزية، وإنما بقدرة خيار المقاومة على فرض نفسه في القطاع، فالحقيقة أن الحصار في الرزق والوظيفة والراتب، استهدف عناصر حماس منذ دخول السلطة الفلسطينية، واستمر ذلك قائمًا حتى اللحظة.

وبينما تمكنت حماس في قطاع غزة من إيجاد بيروقراطية خاصة بها من بعد العام 2007، وأدخلت موارد ضخمة لصالحها، ظلّ عناصرها في الضفة يعانون الحصار، والحرمان الوظيفي، والملاحقة المستمرة، والمنع من السفر، وغير ذلك، حتى اليوم، وهذه الملاحظة جديرة بالأهمية، لقدرتها على تبيان السياقات الحقيقية لهذه السياسات، ولتثبيت التوازن النفسي والموضوعي حين تناول مسألة كهذه!

(3)

يتبين أن سياسات الراتب التي وظّفت منذ دخول السلطة لا تستهدف القطاع وحده، وإن كانت تبدو الآن مركزة ضد القطاع، هذه السياسات كانت ذات دور أساسي في خلق قضية خاصة بقطاع غزة، ولكنها في الأساس ناجمة عن سياسات السلطة، وهي السياسات التي لم تستطع حتى حماس أن تقطع معها مئة بالمئة، فحملت بالتدريج، ومنذ العام 2006 عبئًا يفوق طاقتها، أضعفها إزاء الجغرافيا السياسية، وإزاء التحولات الإقليمية.

سياسات الراتب التي وظّفت منذ دخول السلطة لا تستهدف القطاع وحده، وإن كانت تبدو الآن مركزة ضد القطاع، هذه السياسات كانت ذات دور أساسي في خلق قضية خاصة بقطاع غزة، ولكنها في الأساس ناجمة عن سياسات السلطة

وإذا كان الأمر كذلك، فالذي ينبغي هو البحث عن سبل نقض هذه السياسات، لا البحث عن سبل الاستمرار بها، ولكن وفي كل الأحوال يجب أن يكون دعم صمود الفلسطينيين في أوطانهم، في الضفة الغربية وغزة على السواء، هو الأساس الذي تستند إليه كل محاولات التصحيح والحل.

دون صمود الفلسطينيين في أرضهم لن يكون لأي حركة وطنية قيمة، ولن يكون لأي قيادة معنى، كما أنه لا قضية وطنية دون التفكير على أرض الوطن الواحد كلّه بعقل واحد، لا التفكير بالعقل التجزيئي المتمركز حول ذاته في حيز ضيق بفعل سياسات الاحتلال وبفعل أخطائنا.