اغتيال فقها.. معارك حماس و"إسرائيل" الخفية

الثلاثاء 28 مارس 2017 11:31 ص بتوقيت القدس المحتلة

اغتيال فقها.. معارك حماس و"إسرائيل" الخفية

مساء الجمعة 24 مارس/آذار اغتيل القيادي في كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، مازن محمد فقها بعدد من الرصاصات أصابت رأسه والجزء العلوي من جسمه، بالقرب من منزله في قطاع غزة، قيل إن الرصاصات كانت مكتومة الصوت، ودلّ ذلك على خطورة العملية وطابعها الجديد في الصراع بين حماس وإسرائيل، فمن هو الفقها؟ وما هي دلالات هذا الحدث؟

من هو مازن فقها؟

مازن فقها، (38 عاما) قيادي عسكري في حماس، من مدينة طوباس بالضفة الغربية، شارك في قيادة العمل العسكري لحماس بالضفة الغربية في انتفاضة الأقصى، واعتقل لدى السلطة الفلسطينية عدة مرات أثناء الانتفاضة، اتهمه الاحتلال بالمشاركة في قيادة عدد من العمليات العسكرية الخطيرة أثناء انتفاضة الأقصى وأدت إلى مقتل عشرات الإسرائيليين.

حاول الاحتلال اعتقاله، وطارده إلى أن اعتقله في أغسطس/آب 2002، وحكم عليه بالسجن المؤبد تسع مرات، وقد ظل في الاعتقال داخل سجون الاحتلال إلى أن أفرج عنه وأبعد إلى قطاع غزة، ضمن صفقة تبادل الأسرى التي أفرجت فيها إسرائيل عن عدد كبير من المعتقلين الفلسطينيين، مقابل إفراج حماس عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط.

مثلت تلك الصفقة إنجازا سياسيا كسرت به حماس إرادة الاحتلال، وكرست به إرادة المقاومة، وذلك حينما تمكنت من الإفراج عن عدد من معتقلي الانتفاضة بعد بضع سنوات فقط من اعتقالهم، بالرغم من محكومياتهم التي كان يفترض الاحتلال أن تبقيهم في السجن إلى مماتهم.

عودة بعض هؤلاء الأسرى لقيادة المقاومة من جديد، تشكّل ضربة إضافية توجهها حماس للاحتلال، وتفتح بها المزيد من أبواب المواجهة معه.

منذ العام 2013 والاحتلال يتهم مازن فقها بالوقوف خلف تشكيل عدد من الخلايا العسكرية لحماس في الضفة الغربية، ونشرت الصحافة العبرية أواخر ذلك العام خريطة للهيكل القيادي للجناح العسكري لحماس في الضفة الغربية، جعلت فيها مازن فقها من قادته المركزيين.

في أواسط العام 2014 أسرت مجموعة من حماس في الخليل ثلاثة مستوطنين، قتلوا فيما بعد، وتردد في المصادر الإسرائيلية اسم مازن فقها شريكا في التخطيط لتلك العملية، وفي العام المنصرم وحده، ادعى الاحتلال إحباطه أكثر من 400 عملية في الضفة الغربية.

نعت حماس الشهيد في بيان مشترك مع جناحها العسكري، واتهمت فيه الاحتلال باغتياله، ثم انفردت القسام ببيان آخر أكدت فيه دور الشهيد القيادي فيها، وعزمها على تدفيع العدو ثمن جريمته، وإصرارها على كسر المعادلة الجديدة التي يحاول العدو فرضها بهذا النمط الجديد من الاغتيالات.

في اليوم التالي شاركت كل قيادات حماس في تشييع الشهيد، بما في ذلك قائدها الجديد في غزة يحيى السنوار، وسلفه إسماعيل هنية، وعبد الرحمن غنيات الذي تتهمه إسرائيل بالمشاركة في قيادة جهاز حماس العسكري بالضفة، ونشرت كتائب القسام -لأول مرة- صورا خاصة للشهيد بالعتاد العسكري، وكأن حماس تريد تكريمه بكل مستوياتها، والتأكيد على دوره الجهادي فيها.

لماذا الاغتيال؟

بالنظر إلى ذلك التاريخ للشهيد، وموقعه الخاص في إدارة المقاومة بالضفة انطلاقا من غزة -محل إقامته الذي أبعد إليه- يكون الهدف من اغتياله هو التخلص من الشهيد نفسه، فالاحتلال عملي في أدائه الأمني، حتى وإن لم تخل بعض عملياته من رغبة في الاستعراض أو الانتقام أو توصيل الرسائل السياسية، ولكن الهدف الأمني هو الأساس وقبل أي شيء آخر، مع أن كل هذه الأهداف متحققة في حالة الشهيد مازن فقها.

يعني ذلك أن حماس قد تمكنت، وبالرغم من ظروفها القاسية في الضفة الغربية، من أن تتحول إلى عامل مزعج للاحتلال في الضفة، وأن الاحتلال لم يعد قادرا على الامتناع عن الاستهداف الدموي لبعض أهم فاعلي حماس في هذا الميدان ممن يعيشون خارج الضفة الغربية، وأن محولات استئناف المقاومة في الضفة الغربية قد بلغت حدّا أرهق الجهاز الأمني الإسرائيلي ودفعه إلى محاولة تثبيط المصدر التنظيمي لتلك المحاولات، حتى وإن كان في قطاع غزة.

وبطبيعة الحال، تندرج هذه العملية في الصراع المفتوح بين الخصمين، إسرائيل وحماس، فالحرب بينهما قائمة، حتى وإن كانت معاركها الكبرى مؤجلة، أما المعارك الخفية فهي شغل الساعة لكلا الطرفين، ويسعى كل منهما فيها إلى كسب الوقت، واستغلال الثغرات، وكبح جهود الخصم، وتسديد الأهداف قدر الإمكان.

حققت حماس أخيرا عددا من الأهداف في هذا الاتجاه، ففي الوقت الذي ما تزال فيه قادرة على الاحتفاظ بعدد من الجنود الإسرائيليين أسرى إليها، وبعدما تمكنت من اختراق واستدراج عدد من جنود الاحتلال عبر تطبيقات خاصة للهاتف الجوال، وتفكيك العديد من شبكات التجسس داخل قطاع غزة، وبينما استمرت تعزز من قدراتها العسكرية، كشف تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي عن عجز استخباراتي إسرائيلي فاضح أثناء عدوان العام 2014 على قطاع غزة.

في المقابل تمكن الاحتلال من الوصول إلى أحد القيادات الفنية والعلمية العربية في كتائب القسام، وهو التونسي محمد الزواري، مهندس طائرات حماس بدون طيار، في عملية مسبوقة فيما يتعلق بصراع حماس وإسرائيل خارج جغرافيا فلسطين، فقد سبق وأن اغتالت إسرائيل قيادات عسكرية لحماس في دمشق ودبي، والآن يأتي الاحتلال لترميم صورته الأمنية بعد إقراره في تقرير مراقب الدولة بعجزه الاستخباراتي في صراعه مع حماس بغزة.

فبالإضافة إلى الهدف المركزي المتمثل في التخلص المستعجل من مازن فقها، تعيد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الآن تقديم نفسها إلى المجتمع الإسرائيلي، في عملية تبدو في ظاهرها -على الأقل- بالغة التعقيد والاحترافية، وتصيب حماس في قلبها داخل قطاع غزة، ومن ناحية ثانية هي رسالة تحدّ لحماس في غزة، تتجاوز منظومة حماس الأمنية ولكنها تكشف عن وقائع جديدة فرضتها صلابة المقاومة داخل القطاع.

صحيح أن عملية من هذا النوع، تستند لوجستيّا وأمنيّا، إلى شهور من التخطيط والمراقبة، وتحتاج بالإضافة إلى الرقابة الجوية، والتنصت على الاتصالات، إلى عملاء على الأرض، وهو ما يعني، من جهة ما، خرقا واضحا لمنظومة حماس الأمنية، إلا أن اللجوء إلى هذا الأسلوب المعقد والمغامر لم يكن لأهداف دعائية استعراضية داخلية وخارجية، حتى وإن تحققت هذه الأهداف تلقائيّا في السياق، وإنما دفعت حقائق جديدة على الأرض إسرائيل إلى هذا الأسلوب.

معادلة جديدة

من بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، نفّذت إسرائيل العديد من عمليات الاغتيال قصفا عن بعد، لكن هذه هي المرة الأولى منذ ذلك التاريخ الذي تغتال فيه أحدا داخل القطاع من المسافة صفر وبالرصاص، فالاقتراب الفيزيائي الشديد من أي كادر من حماس في غزة، مخاطرة عالية سواء على عملاء الاحتلال، أو على جنود الاحتلال وقواته الخاصة.

بالرغم من المخاطرة العالية، فإن تنفيذ الاحتلال لعملية كهذه عبر فرقه الخاصة، لا عبر عملائه، يظل احتمالا قائما، مع عدم استبعاد أي من الاحتمالين، وهو ما يطرح السؤال مرة أخرى، عن السرّ الذي يدفع نحو مخاطرة قد تكلف الاحتلال بعض جنوده، أو تؤدي إلى كشف المزيد من عملائه في بيئة أمنية لا تميل لصالحه.

صمود حماس في قطاع غزة، واستعدادها للدفاع عن قاعدة المقاومة التي أسستها هناك، وتطور أدائها العسكري باستمرار، ومثابرتها على مراكمة قدراتها العسكرية، بالرغم من الحصار والحرب الأمنية الخفية مع الاحتلال، وإخفاقات الاحتلال في حروبه المتتابعة معها، دفع الاحتلال للبحث عن معادلات جديدة تحقق أغراضه الأمنية، وتوفّر الردع المطلوب، دون أن تتيح لحماس ذريعة الردّ.

بعد حرب العام 2014 صرّح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت، أن تعامل إسرائيل مع قطاع غزة سيأخذ منحى آخر، يتطلب أدوات جديدة، تشبه الأدوات الاستخباراتية التي يستخدمها الاحتلال خارج نطاقه الجغرافي، كما في عمليات الاغتيال الغامضة التي ينفذها خارج فلسطين، وهذا يعني أن صمود حماس كرّس حقائق جديدة.

لجوء الاحتلال إلى أسلوب غامض لا يدينه مباشرة، ويسحب من حماس ذريعة الردّ المباشر والمكشوف، ويجعلها في وضع حرج في حال افتعلت ردّا يقود إلى الحرب؛ قد يريد به تجنب الحرب، أو تحميل حماس المسؤولية عنها في حال وقوعها، ولكنه في كل الأحوال وبالضرورة كان يستعد للحرب، ويضع احتمال ردّ حماس بعين الاعتبار، فلم تتوقف مناوراته على حدود قطاع غزة في الفترة الأخيرة.

الحقائق التي رسختها حماس، وبقدر ما هي إنجاز لها، فرضت بدورها معادلات جديدة، يبدو فيها العدو متفوقا حتى اللحظة، بما هو قوة احتلال تملك قدرة استخباراتية وأمنية عالية. يفرض ذلك على حماس تعزيز قدراتها وفق المعادلة الجديدة التي تتطلب تطوير موقفها الأمني في مواجهة الاحتلال، لا بمراجعة موقفها الأمني الداخلي فحسب، ولكن أيضا، بتطوير قدرتها على رد مماثل من جنس هذا النوع من العمليات الأمنية، والتي لن تتوقف في حال ظلت حماس عاجزة إزاءها.

صراع جذري لا يهدأ كهذا الصراع، يحمل الاحتلال على الوصول إلى أي كادر يزعجه مهما كانت الجغرافيا التي يعيش فيها، ويجعل ذلك الحرب احتمالا قائما باستمرار، بل إن هذا الاغتيال قد يكون في سياق التمهيد للحرب، وذلك بتدمير قدرات الضفة الغربية على إسناد غزة في أي حرب قادمة على غزة.

ولكن المطلوب من المقاومة تطوير الأدوات الاستخباراتية المكافئة، لاسيما وأن الاحتلال لا يخفي نواياه تجاه الأسرى المحررين، وتجاه مصادر التخطيط للمقاومة في الضفة الغربية، أو مصادر دعم وإسناد قدرات المقاومة في غزة.