اغتيال فقهاء: ذعر صهيوني من المستقبل

الإثنين 27 مارس 2017 07:10 م بتوقيت القدس المحتلة

اغتيال فقهاء: ذعر صهيوني من المستقبل
د.صالح النعامي

د.صالح النعامي

كاتب سياسي

تنتمي عملية اغتيال المجاهد مازن فقهاء إلى ما تطلق عليه المؤسسة العسكرية للكيان الصهيوني «إستراتيجية المواجهة بين الحروب». وتقوم هذه الإستراتيجية التي تطورت في العقود الثلاث الأخيرة بشكل واضح على استغلال الفترات التي تفصل بين الحروب والحملات العسكرية الكبيرة التي تشن ضد المقاومة في العمل على المس بقدراتها وإضعاف بناها التنظيمية والتسليحية والبشرية، وذلك من أجل تحسين مكانة إسرائيل في أية حرب أو حملة عسكرية كبيرة مستقبلا ضد المقاومة.

إن حقيقة أن لإسرائيل هدف مباشر في تصفية فقها، لزعمها بأنه يتولى من غزة توجيه خلايا تعمل ضد الاحتلال في الضفة الغربية، لا تتعارض مع تصفيته كأحد متطلبات «إستراتيجية المواجهة بين الحروب». إن إسرائيل تنطلق من افتراض مفاده أن انفجار الأوضاع في الضفة الغربية بات سيناريو واقعي بسبب حالة الإحباط الشديد التي يعيشها الشارع الفلسطيني في ظل انسداد الأفق السياسي للتسوية بعد تولي حكومة اليمين المتطرف مقاليد السلطة في تل أبيب وصعود دونالد ترامب للحكم في الولايات المتحدة؛ إلى جانب حالة انعدام اليقين التي تسود أروقة السلطة الفلسطينية في ظل مؤشرات قرب ترجل رئيس السلطة محمود عباس عن ساحة الأحداث دون أن يكون هناك توافق على خليفة له.

وتفترض إسرائيل بأن انفجار هذا السيناريو يعني توفير بيئة مناسبة تساعد حركة حماس على استغلال الأوضاع وإشعال الضفة الغربية بشكل يصعب مواجهته، حيث تفترض الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية أن القيادات الحمساوية، التي تتهمها بتوجيه الأمور والتأثير على اتجاهات الأحداث في الضفة ستلعب دورا رئيسا في المرحلة القادمة، حيث ترى أن الشهيد الفقهاء هو أبرزهم.

إن أكثر ما فاقم المخاوف لدى الكيان الصهيوني من مستقبل الأمور في الضفة الغربية ودور حماس المستقبلي والمحوري فيها، حقيقة أن دراسة إسرائيلية أجريت مؤخرا أظهرت أن الأغلبية الساحقة من منفذي العمليات الفردية يرتبطون بحركة حماس.

من هنا، جاءت عملية اغتيال المجاهد فقهاء لتحقق هدفين أساسيين، وهما: تقليص مستوى عمليات المقاومة التي تنفذ في الضفة الغربية، وتحسين مكانة إسرائيل في حال اندلعت مواجهة شاملة مستقبلا، سيما في الضفة الغربية.

ولا خلاف على أن وسيلة الاغتيال اختيرت بعناية من أجل حرمان حركة حماس من مبررات الرد، حيث تم اختيار طريقة اغتيال مما يوصف باللغة الاستخبارية الإسرائيلية «عمليات بدون ختم»؛ أي العمليات التي تنفذ دون أن تترك آثار تدلل بشكل واضح على هوية الجهة التي نفذت عمليات الاغتيال. لقد كان بإمكان إسرائيل استخدام عمليات التصفية عبر الطائرات بدون طيار، وهي وسيلة أكثر أمانا، لكنها في الوقت ذاته لا تدع مجالا للشك بأن إسرائيل هي من يقف ورائها. وفي المقابل فأن تنفيذ عملية تصفية من خلال إطلاق النار، دون إلقاء القبض على المنفذ، يجعل من الصعب تقديم أدلة ظاهرية على مسؤولية إسرائيل عنها. مع العلم أنه لا خلاف على أن إسرائيل هي المسؤولة عن عملية التصفية ليس لأنها صاحبة المصلحة فيها فقط، بل لأنه صدر عنها تهديدات بتنفيذ مثل هذه العملية. وهذا التكتيك التي اتبعته إسرائيل لدى تنفيذ العشرات من عمليات التصفية التي استهدفت قيادات في المقاومة الفلسطينية على مر تاريخ الصراع مع الاحتلال.

إن اغتيال القائد فقها يشي بالمخاوف الإسرائيلية من مستقبل المقاومة وإدراك تل أبيب أن «الأسوأ لازال أمامها»، وهذا ما عبر عنه نداف أرغمان رئيس جهاز المخابرات الداخلية «الشاباك»، الذي تحدث بشكل واضح عن العمل المقاوم الذي أسماه بـ «المؤسسي» الذي تقوم به حركة حماس. ناهيك عن مخاوف من تداعيات سلبية جدا لتطورات إقليمية يمكن أن تحدث وتزيد من حجم الأعباء الأمنية التي ستواجهها إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة.

المؤكد إن إسرائيل تدرك أن سياسة الاغتيالات لم تثبت ذاتها، سيما في مواجهة حركات مقاومة كبيرة مثل حركة حماس. فعند النظر للوراء نجد أن العشرات من قيادات هذه الحركة قد قضوا شهداء في عمليات تصفية، لكن التحدي الذي تمثله الحركة للكيان الصهيوني ازداد فقط.

يدرك الكثير حتى من قادة الأجهزة الأمنية والاستخبارية الصهيونية أن الرهان على سياسة الاغتيالات رهان بائس وسيفضي إلى نتائج عكسية.