(بلفور 99)

الخميس 03 نوفمبر 2016 01:36 م بتوقيت القدس المحتلة

(بلفور 99)

صادف أمس 2 نوفمبر 2016م الذكرى الـ(99) لوعد بلفور المشئوم بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. كان الوعد عبارة عن ورقة صغيرة لعائلة روتشيلد اليهودية القاطنة في بريطانيا. الوعد كان في عام ١٩١٧م، وقد جاء في ظروف الحرب العالمية الأولى، وتآمر بريطانيا وفرنسا على تقسم الوطن العربي وأملاك السلطنة العثمانية.

ومن رحم هذه التجزئة التي تلت هذا الوعد في اتفاقية (سايكس بيكو) ولدت دولة العدو الصهيوني برعاية ومساعدة بريطانيا العظمى، ودول أخرى، وربما كانت رغبة هذه الدول في حلّ (المسألة اليهودية) في أوروبا أحد الأسباب الرئيسة في الدفع باتجاه تنفيذ وعد بلفور عمليًا في فلسطين، وربما كانت الرغبة في إخضاع الوطن العربي للإرادة الاستعمارية الغربية سببًا آخر.

نحن لا نبحث عن الأسباب هنا، ولكن خلال الأعوام المائة عدا عام جرت مياه كثيرة تحت جسر هذا الوعد المجحف، الذي يوصف عادة بأنه (وعد من لا يملك لمن لا يستحق)، نشأت دولة (إسرائيل)، على حساب الشعب الفلسطيني، وتحولت بمرور الزمن إلى دولة تقوم على القوة العسكرية المفرطة في التقدم، حتى أسماها بعض الباحثين (بالدولة القلعة)، لأنها تحمل سمات القلعة، من حيث الأمن، والسلاح، والتدريب المستمر، والخوف من المستقبل، والقتال من خلف الجدر، كما أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في يهود.

إن مرور (99) عاما على وعد بلفور و(72) عاما على قيام دولة العدو، هي مدة طويلة ومديدة، ولكن دولة القلعة ما زالت على ما هي عليه تحت ما يمكن تسميته (الشدّ العسكري الدائم)، فالأب تحت السلاح، والجد تحت السلاح، والأبناء والأحفاد تحت السلاح، والرجل والمرأة تحت السلاح، والدولة بكل مكوناتها تحت السلاح، ومع ذلك لم يوفر السلاح لهذه الدولة القائمة على الغصب والاحتلال الأمن والاستقرار، لأن الشعب الفلسطيني صاحب الحق الأصيل في فلسطين ما زال حيا وحيويا، ويتمسك بوطنه وأرضه، وقديما قالوا: ( ما ضاع حق وراءه مطالب).

إن غياب التحرير هذه المدة الطويلة لا يرجع إلى القوة العسكرية المتقدمة التي تمتلكها دولة العدو ، ولا إلى المساعدات الكبيرة التي تقدمها الدول الاستعمارية وبالذات أميركا، وإنما يرجع إلى حالة الانقسام والتشرذم العربي، والفلسطيني أيضا.(اسرائيل) ليست قوية، ولا مخيفة، ولكننا نحن كفلسطينيين وكعرب ضعفاء ومنقسمون، ولا نملك قيادات أمينة وقوية وجادة. لقد ترك قادة العرب لدولة العدو الفرصة تلو الفرصة لتنمو وتكبر، حتى أصبحت على ماهي عليه من قوة عسكرية أولى في الشرق الأوسط، ومن ثمة بدأت الهزيمة النفسية تحتل النفوس العربية القيادية، وباتت جلها تقبل بالأمر الواقع، وتبحث عن حلّ تفاوضي له، فكانت اتفاقية أوسلو، ثم المبادرة العربية، ولكن دولة العدو التي تحتفل عادة بيوم بلفور ترفض كل العروض التفاوضية وتطالب الفلسطينيين بالاستسلام، وبالرضا بما يعرض عليهم من حكم ذاتي، تحت السيادة الإسرائيلية .

إن يوم بلفور من كل عام، هو يوم الألم الفلسطيني، والوجع الفلسطيني، وهو يوم يذكرنا بضعفنا العربي، وبخذلان النظام العربي لفلسطين، وهو يوم فرح عند عدونا، وهو يوم احتفاء عندهم بقادتهم المؤسسين للدولة.

هم أعني قادتهم أحسنوا العمل لأهدافهم وأجادوا فيه، إلى أن وصلوا بدولتهم إلى ما وصلوا إليه، ونحن أسأنا العمل لأهدافنا، ونمنا عن خطر يهود، ورحنا في نزاعات داخلية ،وألعاب إعلامية لا تجدي ولا تنفع.

تسعة وتسعون عاما هي سنوات بلفور، وهي في الوقت نفسه سنوات غياب القيادة الفلسطينية والعربية الأمينة القوية، مع كل الاحترام لمن قدم جهودا طيبة في خدمة دينه ووطنه ، ولكننا ما زلنا بعد هذه المدة الطويلة بلا وطن، وبلا حرية وسيادة، ونعيد تذكر يوم الألم الأول.